نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 11
الجزء ١٤ · صفحة ٤٦٣فالمقسم به هو القرآن المجيد لبيان عظمته ورفعة شأنه، ولكن جواب القسم -أي المقسم عليه- غير مذكور، وفي تقدير الجواب المحذوف ترد أقوال عدة للمفسرين، ولعلّ أنسبها ما استنبطه بعضهم من بدء السورة بحرف "ص" الذي هو لتحدّي المشركين بإعجاز هذا القرآن، وأنّ الموحى به إليه هو حقا رسول ربّ العالمين، وهؤلاء المحققون استلهموا هذا المعنى مما ورد في افتتاحية سورة يس بقوله تعالى: (يَسِ، وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (1 - 4)، ويقصد ذلك ما بيّنه الله من سبب لإعراض الذين كفروا عن التذكّر بالقرآن فقال: (بَلِ الذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ).
وما أروع الإضراب الإبطالي بـ"بل" لدفع ما يتوهّم من قصور في القرآن عن الإفصاح والبيان، أو عن التأثير والإقناع أو أن الرسول صلى الله عليه وسلمقصّر في التبليغ والدعوة، كلاّ، بل السبب الواقعي هو ما عليه الكافرون من كبر وعناد وتطاول ومشاققة لله ولرسوله، ودوافعهم في ذلك ما هم عليه من غلبة ومنعة وتكبّر كما قال تعالى في شأن أصناف الخلائق وطبائعهم:
أ) - (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالاِثْمِ) (البقرة:206).
ب) - (إِنَّ الذِينَ يُجَادِلُونَ فِي ءَايَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ اَتَاهُمُ إِن فِي صُدُورِهِمُ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ) (غافر:56).
والتعبير بالموصول: (الذِينَ كَفَرُوا) دون "الكافرون" للإيماء بتمكن تلك الصفة في نفوسهم، لأنّ الأصل في "الكفر" هو الدّفن والستر، فهؤلاء قد عرفوا الحقّ في القرآن وجحدوه، واعتقدوا الصدق في رسول الله وأنكروه، كما قال تعالى في شأنهم:
أ) - (فَلَمَّا جَآءَتْهُمُ ءَايَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ، وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) (النمل:13 - 14).