نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٣٠ولأبي مسلم توجيه آخر للآية إذ قال كما نقل الفخر الرازي: "لا يمنع أن يكون المراد من الأرض أرض الجنة وذلك لأنه تعالى أمر المؤمنين بالتقوى وهي خشية الله، ثم بيّن أن من اتقى فله في الأخرة حسنة وهي الخلود في الجنة"(1)
ثم يعقب عليه الإمام الرازي بقوله: "والقول الأول عندي أولى لا قوله: (اِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ): لا يليق إلا بالأول".
قلت: إن هذا التذييل هو أنسب بالقول الأول لما تتطلبه الهجرة من قوة الصبر والإحتمال، فهذا رسول الله وهو المثل الأعلى للصابرين، قد عبّر عما يجده في نفسه الشريفة وهو يودع مكة فيقول: «أنت أحبّ بلاد الله إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني ما خرجت» وخلق الصبر في قمة الخلاق كلها لما ينجرّ عنه من هدوء البال وسكون النفس عند نزول المصائب، وجاءت الصفة على عمومها دون ذكر المتعلق ليشمل كل أنواع الصبر، وتوفية الأجر عليه تكون بإعطائه وافيا كاملا، وكونه: (بِغَيْرِ حِسَابٍ): كناية عن الوفرة والعظمة بحيث لا يقاس بمقدار، إذ لا يمكن للعقل البشري أن يتصور نعيم الجنة على حقيقته لقوله عليه السلام: «إن في الجنة مالا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر».
والنوع الثاني من النصائح التي أمر الله رسوله بتوجيهها إلى المؤمنين قوله تعالى:
(قُلِ اِنِّيَ أُمِرْتُ أَنَ اَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ، وَأُمِرْتُ لأَنَ اَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ):
إذا تعيّن أن يكون المر بالتقوى في الآية السابقة لجميع المسلمين، فإن الأمر الإلاهي لرسوله في هاتين الآيتين التاليتين يكون فيها احتمالان:
أ) - أنه موجّه للمشركين من خلال رسول الله في أمر الله له بالإخلاص في العبادة لله وحده، لتضمين معنى اللوم والعتاب للمشركين بعبادتهم للأوثان على أسلوب: "إياك أعني واسمعي يا جارة".
(1) 1 - التفسير الكبير: جزء 25 صفحة: 253.