نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٣٢قلت: والأوّلية ليست أوّلية الشرف والأفضلية بل هي أولية الإمامة والسبق لتجسيد الإسلام والإخلاص في العبادة لله كما فصّلت هذا المعنى آية سورة الأنعام في قوله تعالى: (قُلِ اِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَآيْ وَمَمَاتِيَ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَالِكَ أُمِرْتُ وَأَنَآ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام: 162 - 163). وكذا يتضمن هذا الإعلان، كونه رسولا من عند الله، وأنه أعرف الناس بالتكاليف والشرائع التي يبلغها، وقطعا لدابر كل مساومة من طرف المشركين لمحاولة النبي أن يبادلهم المتابعة في بعض طقوس دينهم كما ثبت ذلك في السيرة النبوية، فإن الله امره أن يجري هذا الحكم على نفسه، أي حكم جريان العقاب عليه إن هو عصى الله وحاشاه من ذلك وغنما المقصود هو المبالغة في زجر الغير عن المعاصي، قال تعالى:
(قُلِ اِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ):
فإذا كان الرسول المعصوم، لا ينفلت من عقاب لله إن قصّر في واجبه، فكيف بمن دونه من خلق الله؟. ولا يخفى ما في هذا الأمر من التعريض والتهديد إذ يسفه بذلكما دعاوي المشركين في عبادتهم للأوثان بانها تقربهم إلى الله زلفى، وبالتالي يقضي على مخلفات الجاهلية، وعلى غلوّ أهل الكتاب في مبالغتهم لتقديس الأشخاص، ولو كانوا أنبياء أو صلحاء، وما اتخاذ الأنداد وعبادتهم من دون الله إلا أثر لتلك العاطفة الجامعة في تقديس الأشخاص أو الأشياء برفعها إلى مقام الألوهية كما فعل النصارى بالمسيح واليهود بعزيز وما الأصنام التي عبدها المشركون إلا رموز للملائكة أو لبعض زعمائهم، ففي إعلان الرسول على خوفه من عقاب الله تجسيد لمعنى الإخلاص مرة أخرى فقال: (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي* فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ):