نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ١١٢ثم بيّن الله صيغة ذلك الدعاء الملائكي للمؤمنين فقال: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ): والجملة في موضع النصب بالمفعولية لفعل محذوف تقديره: "يقولون" بدأ الملائكة دعاءهم بحسن التوجه إلى الله ووصفه بسعة الرحمة والعلم وهما الصفتان المناسبتان للذات العلية في هذا المقام فيهما إيماء إلى صدق إيمان المستغفّر لهم وفق ما هو ثابت في علم الله، والتعبير بـ (كُلَّ شَيْءٍ): يشمل كل موجود في ملكوت الله، وما أروع هذا الأدب الدعائي مع الله تعالى، لما فيه من مناجاة الله وتعظيم شأنه، ثم يتفرع عن ذلك ما هو المتوسّل إليه بقولهم: (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ): فقد طلبوا المغفرة من الله للتائبين الثابتين على نهج الله، وتحقق التوبة بالإقلاع عن المعاصي، وتكون نصوصا بإتباع سبيل الله بالإتيان بما أمرهم به واجتناب ما نهاهم عنه وبذلك يكونون قد اتخذوا أسباب الوقاية من عذاب الجحيم، وبعد تحقيق تلك التحلية من مسببات الشقاء، وأعظمها الشرك بالله يرتقي الملائكة في دعائهم للمؤمنين بطلب الجنة لهم إنجازا لوعده الصادق، وإلحاق الصلحاء من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم فقالوا:
(رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ التِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنَ -ابَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمُ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ):
يعتبر مجرّد الدخول إلى الجنة دار الإقامة والاستقرار، يعتبر ذلك فوزا عظيما لقوله تعالى: (فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) (آل عمران:185).