نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ١٦٣ب) - (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالاِبْكَارِ): قوله: (بِالْعَشِيِّ وَالاِبْكَارِ): يراد به الأوقات كلها، فبعد التحلّي بالاستغفار يأتي التحلّي بحمد الله وتسبيحه، وذلك هو الزاد الروحيّ الذي يحصّن المؤمن من الاضطرابات النفسية التي تنجرّ عن فتنة الابتلاء حتى يعيش المؤمن في فيوض أنوار السماء وبما أن السورة الكريمة قد ندّدت بشدة على المجادلين بالباطل وأنكرت عليهم عنادهم واستكبارهم، فقد تكرر ذلك التنديد عدة مرات خلال السورة بدءا من قوله تعالى: (مَا يُجَادِلُ فِي ءَايَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الذِينَ كَفَرُوا): وفي هذه الآية يبيّن تعالى الدوافع النفسية لجدالهم بغير علم فقال تعالى:
(إِنَّ الذِينَ يُجَادِلُونَ فِي ءَايَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ اَتَاهُمُ إِن فِي صُدُورِهِمُ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ):
ولا شك أن المقصود بهؤلاء هنا هم نفس المتحدث عنهم في أول السورة من طغاة قريش، فإنهم في الواقع لا يقومون بذلك تكذيبا لرسول الله، لأنهم لا ينكرون صدقه ولا أمانته، وإنما يفعلون ذلك بدافع الحسد والغيرة والكبر من أن يكونوا تبعا ليتيم بني هاشم أو أن يستووا مع مواليهم وخدمهم، وهذا ما يوضّحه قوله تعالى في سورة "الأنعام": (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّه لَيُحْزِنُكَ الذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكْذِبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِئَايَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (33).
ومنطق الكبر لا تنفع معه حجة ولا يستقيم برهان، والكبر يتولد عن الحسد، ولا يرضى الحسود إلا زوال النعمة عن محسوده، ولا يبلغ الحسود مراده أبدا ما دام المحسود يواجهه بالصبر والأناة، كما أمر الله رسوله بذلك، وقد قال الشاعر العربيّ:
اصبر على كيد الحسود … فإن صبرك قاتله
كالنار تأكل بعضها … إن لم تجد ما تأكله