نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12

الجزء ١٦ · صفحة ١٨٧

تكرر الأمر الإلاهي لرسوله في السورة مرتين، وكل منهما جاء في مكانه المناسب وسورة غافر وإن كانت تعني بتركيز أسس العقيدة الإسلامية كغيرها من السور المكية فإنها تختصّ بتجسيد ذلك الصراع المرير بين الحق والباطل وبين الإيمان والكفر، بدءا من قوله تعالى: (مَا يُجَادِلُ فِي ءَايَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الذِينَ كَفَرُوا فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلاَدِ) (الزمر:4). ثم ما أعقب ذلك من الوعد لرسوله الله وللمؤمنين بالانتصاف لهم من أعدائهم، وتكرار الأمر بالصبر في السورة الكريمة ينمّ عما كان يعتمل في صدور المؤمنين من استبطاء لتحقيق ذلك الوعد، والاستعجال من طبع الإنسان: (وَكَانَ الاِنسَانُ عَجُولاً) (الإسراء:11). أو لم يقل الرسول والذين آمنوا معه، متى نصر الله؟؟ … فقوله تعالى: (اِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ): هو كالتعليل للأمر بالصبر، وتوكيده "بإن" هو لمراعاة الحالة النفسية للمخاطبين من استبطاء تحقيق ذلك الوعد. إذ ليس من الضروريّ أن يتحقق ذلك النصر في حياة الإنسان المكافح لأن سنّن الله لا تخضع لتنديراتنا المحدودة، فهو الذي يحدّد الموعد الذي ينجز فيه وعده وفق ما يناسب الأحوال المقدرة في علمه وحسبما تقتضيه حكمته.

(فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذِي نَعِدُهُمُ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ): فما على المجاهدين في سبيل الله والمكافحين لنصرة الحق إلا أن يأخذوا بأسباب النصر ويبذلوا في تحقيقة كل ما في وسعهم، ثم يرتقبون بعد ذلك من الله ما يحبونه من النصر، وإن طال أمده بعد وفاتهم وقوله تعالى: (فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ): أي هم في قبضة الله هو الذي يقدر مصيرهم في الدنيا بالنصر عليهم، كما في غزوة بدر، وغيرها مما لقي فيها المشركون من عذاب القتل والأسر كما يتقرر مصيرهم في الآخرة بالعذاب المقيم.

٥٬٠٤٤ / ٦٬٢٠١