نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02

الجزء ٢ · صفحة ٢٠٦

عطفت الجملة: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ) على ما قبلها من قوله تعالى: (أَوْ كَالذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ)، والتّقدير: أو هو كإبراهيم … إلخ. والقصّة بطلها إبراهيم عليه السلام صرّح باسمه هنا لمقامه عند الله بكونه خليلا لله، إذ هو لا ينكر قدرة الله في البعث، ولكنّه يروم الزّيادة في العلم بمعاينة التّجربة الإلهية في واقعها العملي، ولم يكن طلبه ذلك لإزالة شكّه، إذ صرّح لربّه بأنّه مؤمن حقّ الإيمان بما خبّره به عن طريق الوحي، ولا يمكن للشّيطان أن يجد منفذا إلى قلوب الأنبياء والرّسل، لأنّ معاينة التّجربة تكشف من الأسرار ما لا يمكن أن يُتوصّل إليه بالعلم النّظريّ المجرّد، فيكون الاطمئنان القلبيّ أكمل بالمعاينة.

والسّؤال التّقريريّ: (أَوَلَمْ تُومِنْ) ثمّ إجابة إبراهيم بـ"بَلَى" يدلّ على سلامة الإيمان من الشّكّ، وأنّ طلب اليقين في التّصورات الإيمانية لا حرج فيه بعد التّسليم والإذعان، لأنّ الإيمان بالغيب يقتضي من المؤمن أن يفوّض الأمر إلى الله في ما يتجاوز حدود طاقته الفكرية، وسرّ الإيجاد بعد الفناء ممّا استأثر الله بعلمه، قال تعالى: (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ، عَلَى أَنْ نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الاُولَى فَلَوْلاَ تَذَّكَّرُونَ). … (الواقعة:60 - 61 - 62).

فإذا كانت هذه النّزعة في النّفس البشرية لمعرفة بعض أسرار الخليقة لا يؤاخذ عليها أقرب النّاس إلى الله من أمثال إبراهيم عليه السلام فكيف بنا نحن البشر العاديين، إذ نستهجن محاولات العلماء في قيامهم ببعض التّجارب العلمية ونعتقد جهلا أنهّا تدخل في علم الله.

٥٠٩ / ٦٬٢٠١