نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12

الجزء ١٦ · صفحة ٢٩١

تقدم قوله تعالى لرسوله في أول السورة: (كَذَالِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ): بصفة مجملة وهنا أخذ الله في تفصيل ظاهرة الوحي، موجّها الخطاب للرسول والمؤمنين. وشرع بمعنى بيّن ووضح ويقال: "الشارع" للطريق الواسعة، وتطلق على سنّ القوانين والأنظمة، والمقصود بالدين، الجنس، لأنها الديانات تتفق كلها في أصول العقائد ومكارم الأخلاق، وتخصيص الرسل الخمسة بالذكر: نوح ومحمد وإبراهيم وموسى وعيسى، لأنهم أولو العزم من الرسل بعثهم الله بالديانات الكبرى فقال لرسوله: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) (الأحقاف:35).

بدأ الله بسيّدنا نوح عليه السلام لأنه أول رسول بعد أنبياء آدم عليه السلام إذ لم يكن آدم رسولا بل هو نبي عند الجمهور، فالأديان السابقة كانت تدين كلها بالإسلام أي تأمر بالتوحيد وبعبادة الله والإيمان بالرسالة واليوم الآخر وتوصى بمكارم الأخلاق والآداب العامة، وإن كانت تختلف في فروع الأحكام لقوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) (المائدة:).

ثم إن القدر المشترك في المماثلة بين الأديان أن تكون جامعة وسببا للائتلاف والوئام لا وسيلة للتفكك والانفصام كما كان واقع الإتباع.

وفي تعقيب ذكر دين نوح بما أوحي إلى محمد عليه السلام يقول الإمام ابن عاشور: "وتعقيب ذكر دين نوح بما أوحي به إلى محمد عليهما السلام للإشارة إلى أن دين الإسلام هو الخاتم للأديان، فعطف على أول الأديان جمعا بين طرفي الأديان، ثم ذكر بعدهما الأديان الثلاثة الأخر لأنها متوسطة بين الدينين المذكورين قبلها، وهذا نسج بديع من نظم الكلام، ولولا هذا الاعتبار لكان ذكر الإسلام مبتدأ به كما في قوله: (اِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيئِينَ مِنم بَعْدِهِ) (النساء:163) "(1)

(1) 1 - التحرير: جزء 24 - صفحة: 51.

٥٬١٤٨ / ٦٬٢٠١