نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٣٤٧د) - البيان والتّفسير:
قد بيّنا أن السورة الكريمة ركّزت على ظاهرة الوحي وبيان حقيقته لإبطال شبه المشركين حوله، جاء ختام السورة هنا إثباتنا لكون القرآن كغيره مما أوحى به الله إلى جميع رسله أوحى به إلى رسوله محمد عليه الصلاة والسلام نورا وهدى للناس، وأن مصير الأمور كلها إليه في الدنيا والآخرة، وبذلك ينسجم ختام السورة لما بدئت به، وذلك من محسنات البيان قال تعالى:
(وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ اَنْ يُّكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا اَوْ مِنْ وَّرَآءِ حِجَابٍ اَوْ يُرْسِلُ رَسُولاً فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ اِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ):
افتتاح النصّ بصيغة الجحود المفيدة للمبالغة في النفي هو لتأكيد المحور الأساسّي الذي تركز عليه السورة الكريمة من بيان ظاهرة الوحي وأنها حق من عند الله يصطفي بها من يشاء من عباده وردّا لما يقترحه المشركون من الأشياء على النبي صلى الله عليه وسلم بيّن الله تعالى أنه لم يقع لأحد من الرسل ولم يتهيأ لأحد من البشر أن يكلمه الله إلا بأحد الأنواع الثلاثة الآتية:
أ) - (إِلاَّ وَحْيًا): والوحي هو الإلهام الخفي الذي يقذف في القلب يحسّ به المرء في نفسه في يقظة أو منام، يقول عنه الإمام ابن عاشور: "والمراد بالوحي هنا إيقاع مراد الله في نفس النبيء، يحصل له به العلم بأنه من عند الله، فهو حجة للنبيء لمكان العلم الضروريّ وحجة للأمة لمكان العصمة من وسوسة الشيطان وقد يحصل لغير الأنبياء ولكنه غير مطرد ولا منضبط.
ويقول: ومن هذا الوحي مرائي الأنبياء، فإنها وحي وهي ليست بكلام يلقى إليه، وقد تشتمل الرؤيا على إلهام وكلام، وقد أعطى الإمام أمثلة لهذين النوعين"(1).
قال الإمام البوصيري في رؤيا الرسول:
لا تنكر الوحي من رؤياه إن له … قلبا إذا نامت العينان لم ينم
(1) 1 - كتاب التحرير والتنوير: مجلد: 24 صفحة: 142.