نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٣٧٠(أَمَ -اتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ): وضمير من: (قَبْلِهِ): عائد إلى القرآن، فهم أمة لم ينزل عليها كتاب قبل القرآن ولم يأتها نذير قبل الرسول، فأنّى لهم دليل نقلي على ما يقولون؟؟ … وإذ لم يبق لهم مستند على ما قالوه، فقد اعترفوا بأنهم مقلّدون لآبائهم وسائرون على نهجهم في عبادة تلك الأصنام، والتقليد علامة ضعف في الشخصية تنمّ على عجز في التأمّل والتفكير، لأن العاقل المعتدّ بنفسه يميّز ويقارن قبل أن يختار، قال تعالى:
(بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ):
أضرب الله على الكلام السابق ليقرر هذا الموقف الشائن من طرف المشركين حين أعوزتهم الحجج العقلية والنقلية في ما يدّعونه، ويظهر تعلقهم الشديد بإتباع آبائهم في قولهم: (وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ): إذ أن: (عَلَى): تدلّ على التمكن والثبات و (مُّهْتَدُونَ): يدلّ على قناعتهم بحقية ذلك الإتباع ثم بيّن الله تعالى أن الكفر ملة واحدة بمشابهتهم لما قالته الأمم السابقة فقال:
(وَكَذَالِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ اِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ):
وفي بيان تلك المشابهة بين مواقف المشركين في كل زمان ومكان تسلية لرسول الله، وتثبيت لجماعة المؤمنين معه، وهذه الآية في تركيبها شبيهة بسابقتها على غير أنه تعالى خصّ القائلين هنا بأنهم المترفون –أي سراة القوم وكبراؤهم من أولي الشرف والنعمة، وفي ذلك إيماء إلى عظماء قريش من خصوم رسول الله، إذ كانوا مفترين بما هم فيه من نعمة حتى نسوا جانب الله.