نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٤٤٦أنه كان على غير توجّه قومه في الكفر بالله ولذلك لم يشمله الذمّ في الآية الكريمة ثم علل الله ذلك الإهلاك بأنهم كانوا مجرمين. وصفة الإجرام غالبا ما تكون قريته للطغيان والجبروت فليس قومك –أيها الرسول- بخير من أولئك الذين نالتهم من الله البطشة الكبرى في الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى، ونظير معنى هذه الآية قوله تعالى: (اَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنُ اوْلَئِكُمُ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي الزُّبُرِ) (القمر:43). وبعد ذلك التهديد أقام الله الدليل على قدرته في الخلق والإيجاد للاستدلال على قدرته على البعث فقال:
(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ* مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ): تعتبر الآيتان ردّا على قول المنكرين للبعث: (إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الاُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ): وبما أن دوافع ذلك الإنكار كانت لاستبعاد ذلك بل لاستحالته في اعتقادهم، فإن الله تعالى قد ركّز في الردّ على شبهتهم تلك على بيان قدرته العظيمة في خلقه بالآفاق مما لا يستطيعون إنكاره، فجعل الحكمة والحق والعدل وغيرها من القيم الإلاهية المنبتة في هذا الوجود جعلها لا تتمّ ولا تتحقق إلا بتقدير الحياة الثانية للحساب والجزاء، وإلا أصبح إيجاد الخلائق المكلفة من الأنس والجنّ عبثا ولهوا
(أَفَمَن كَانَ مُومِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ) (السجدة:18).
(أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ* مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (القلم:35 - 36). فالله تعالى يجلّ عن العبث واللهو (أَفَحَسِبْتُمُ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمُ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ) (المؤمنون:115). وهكذا يتأكد هذا المعنى بأساليب مختلفة في القرآن الحكيم، فنجد هناك النفي والإثبات لتأكيد المعنى.