نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 12
الجزء ١٦ · صفحة ٤٨٤(وَقَالُوا): أي المشركون المنكرون للبعث وعلى شاكلتهم من يمسمّون اليوم "بالدهريين" أو الطبيعيين الذين قصرت نظرتهم على المشاهد المحسوس وينكرون ما وراء ذلك من أمور الغيب، فيعتقدون أن الموت الذي ينتابهم إنما يحدث بمرور الأيام والليالي أو ما عبّروا عنه بالدهر ويقولون: "الأرحام تدفع والأرض تبلغ وليس وراء ذلك شيء". وفي ذلك إنكار صريح لقدرة الإلاه الفاعلة في تدبير تلك الأسباب، وكان العرب في الجاهلية إذا أصابهم ضرّا ومكروه نسبوا ذلك إلى الدهر، وربما سبّوه وشتموه، فنهى الرسول عن ذلك إذ ورد في الصحيحين، وعند أبي داود والنسائي، عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: «يؤديني ابن آدم، يسبّ الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار»(1). وقولهم: (نَمُوتُ وَنَحْيَا): أي في الحياة الدنيا، أي في الحاضر المعيش، فمن مات فقد انتهى أمره، ثم ردّ الله شبهتهم بقوله: (وَمَا لَهُم بِذَالِكَ مِنْ عِلْمٍ اِنْ هُمُ إِلاَّ يَظُنُّونَ): أي ليس لهم أي دليل من نقل أو عقل يعتمدون عليه، بل هو الظن الذي لا يغنى من الحق شيئا، فكل قول لا يستند إلى دليل معقول فهو باطل وقائله في ضلال، يقول أبو العلاء المعرّي:
خلق الناس للبقاء فضلت … أمّة يحسبونهم للنفاد
إنما يتقلون من دار غرو … ر إلى دار شقوة أو رشاد
فاللبيب اللبيب من ليس يغـ … ـترّ يكون مصيره للفساد
(1) 1 - الحديث: