نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ٢٣٦ويبيّن الله تجربة إبراهيم بقوله تعالى: (قَالَ فَخُذَ اََرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَاتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمَ اَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، وتتلخّص التّجربة كما يلي:
أمر الله إبراهيم أن يأخذ أربعة من الطّير، وتدّل "من" التّبعيضية على الطّيور الأربعة مختلفة الأنواع، ليكون ذلك أدلّ على كمال الصّنع والإبداع ولم يحدّد النّصّ أنواع تلك الطّيور. كما أنّ قوله تعالى: (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) فيه معنى الإيناس لتلك الطّيور، بحيث تقبل عليه إذا ناداها من بعيد، كما ذهب إلى ذلك المفسّر الشّهير أبو مسلم، وسانده في ذلك كلّ من الإمام الفخر الرّازي وصاحب المنار، وذلك خلافا لما ذهب إليه أغلب المفسرّين بأنّ إبراهيم قد ذبحها وخلط أجزاءها، ثم جعل على كل جبل بعضا من الأجزاء الممزّعة المختلطة، ثم دعاها إليه فأقبلت مسرعة ليلتئم كل جزء بما يناسبه فيعود الطّير حيّا كما كان، وهكذا ليشاهد إبراهيم قدرة الله في إحياء الموتى.
يرجّح القطب -رحمه الله- قول الجمهور ويقول في قوله تعالى: (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً): "ولا يتصوّر إلاّ بالقطع فالقطع مفهوم التزاما، أو صُر بمعنى "اقطع"، وعليه فـ"إليك" يتعلّق بـ"خذ"، أو يقدّر: صرهن واضممهن إليك، و"صر" اقطع. وإنّما قطعهن بعد الذّبح وذاك لئلا يعذّبن ولئلا يتناول الميتة"(1)
(1) 1 - امحمد بن يوسف اطفيش، تيسير التفسير، 2/ 164.