نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ٢٢ويكون ما بينهما جملا معترضة، وهو ما اختاره الزمخشريّ فتكون الجملة: (مَّثَلُ الْجَنَّةِ): بيان تفصليّ لقوله: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ): وعلى ذكره النار مثوى للكفار مجرّدة من كل وصف يأتي هذا الاستئناف البياني المفصّل لنوعين من الجزاء لكل من الفريقين، في تركيز أكثر على وصف نعيم الجنة لزيادة التشويق لها عند السامع، فقد ذكر للمؤمنين نوعين من الجزاء: مادّي ومعنويّ، ونوّع الجزاء الماديّ إلى مشروب ومطعوم.
ففي المشروب: ذكر أنواعا من المشروبات على الترتيب الذي تدعو إليه المنفعة المطلوبة أكثر، فبدأ الله بالماء وقال: (فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ): والماء هو أصل الحياة المادية المألوفة في الدنيا، وكونه غير آسن: أي هو طاهر صالح للشرب، لم يتعفّن بطول الركود، علما بأن المخاطبين أو العرب بصفة عامة يندر عندهم الماء القراح، إذ يعتمدون على مياه ..... والغدران ولا يتوفر الماء الزلال إلا عند المترفين المنعمين، وكونه يجري أنهارا في الجنة كحالته في الدنيا لعله للحقيقة والله أعلم بكيفية ذلك، وثنّى الله باللّبن ووصفه بأنه لم يتغيّر طعمه، واللبن في المرتبة الثانية في المنفعة بعد الماء فهو الغذاء الضروريّ للبشر ولكل الثدييات من الحيوانات فهو كامل الغذاء ما كان طازجا جديدا بعد الحلب، أما إذا ستبقي فهو يتغيّر إلى خثورة وحموضة. وكثير من الناس لا يستسيغ اللّبن الحامض يقول تعالى: (نَّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِنم بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِّلشَّارِبِينَ) (النّحل:66).