نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ٧٣د) - البيان والتّفسير:
بعد وعد الله لنبيئه بالفتح والنصر وما كان من فضله عليه وعلى أصحابه في صلح الحديبية، وقبل الإنتقال إلى بيان ما جرى في تلك الحادثة التاريخية الهامّة مهّد الله لذلك بذكر مراده من بعثة رسوله وبيّن مهامّه الثلاث ليرتب عليها ذكر بيعة الرضوان وأشاد بإخلاص المبايعين وكيف يكون جزاؤهم عند الله وجزاء الناقضين للعهد، فقال:
(إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا): الخطاب لرسول الله بنون العظمة لبيان مهامّه والتنويه بوظيفته الشريفة وبيان الغاية منها فهو الشاهد الأمين على البشرية جمعاء بأنه بلغها رسالة الله كما تلقاها منه بكل نزاهة وإخلاص، وأن حجة الله قائمة على خلقه بما كلفهم به من تبعات الإيمان وواجبات العبادة، فكان في أمّة الدعوة مؤمنون مستجيبون وكافرون جاحدون ومنافقون مراوغون. ولذلك فهو مبشر بالخير والمغفرة والجنة للمؤمنين الطائعين ومنذر بسوء العاقبة وبالويل والثبور للكافرين والمنافقين والعصاة المصرّين على ذنوبهم تلكم هي مهمة رسول الله وإخوانه الرسل من قبله كما قال تعالى: (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِيَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةُم بَعْدَ الرُّسُلِ) (النساء:165). فما أعظم وقعها على قلب رسول الله إذ حملته على البكاء وهو يسمع من عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- يتلو قوله تعالى من سورة النساء: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةِم بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلآَءِ شَهِيدًا) (41). فقال له الرسول: «أمسك»(1).فلا عجب إنه النعمة المسداة والرحمة المهداة، ثم يلتفت الله إلى المؤمنين ليبيّن لهم ما يجب عليهم أزاء رسالة ربهم.
(لِّتُومِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً):
(1) 1 - الحديث: رواه البخاري.