نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ٢٤٥وقد حقّقت هذه الدّعوة المباركة أهدافها في إخراج ذلك المجتمع من ظلمات الجاهلية وصبغته بصبغة الله في أغلبيّته إلاّ من سدّ الله عليه منافذ الرّشد فاختار الضّلالة على الهدى، وفي مثل هؤلاء يقول الله لرسوله: (لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَّشَاءُ) لفتة إلى خطاب رسول الله خاصّة اقتضته مهمته الدّعوية، وهو يجد نفسه أمام أصناف من النّاس تختلف مشاربهم في الإنفاق، وتتعدّد سلوكاتهم ما بين مؤمن وكافر ومنافق، وبالتّالي قد لا يستجيب بعضهم لإرشاد الله فكانت هذه الآية، وهم المعنيّون بضمير "هُدَاهُمْ"، فليس على الرّسول أمام المانعين للصّدقات أو المعرضين العابثين إلاّ أن يرشدهم بالبلاغ الهادي، دونما إكراه أو إلجاء إلى هداية الإسلام، لأنّ أمر الخلق في الاهتداء مفوّض إلى الله وحده بما وضعه في نفوس الخلق من السّنن، وما فطرهم عليه من الاستعداد للخير والشّرّ.
والآية تمهيد للإرشاد الإلهي بأن تكون الصّدقة لكل من يحتاجها أي للؤمن والكافر، فلا يتحرّج المنفقون من الإنفاق على المشركين بدعوى أنّهم غير مهديين إلى الإسلام، فالرّحمة تقتضي أن يعطى الفقير لفقره بقطع النظر عن الإيمان وعدمه، وقد رويت أخبار في سبب النّزول خلاصتها أن بعض المسلمين كان لهم أقرباء وأنسباء من المشركين فكرهوا أن يتصدّقوا عليهم حتى يسلموا فنزلت الآية، وفي ما أخرجه ابن أبي حاتم وغيره عن ابن عباس أن النّبي صلى الله عليه وسلم: كان يأمرنا أن لا نتصدّق إلاّ على أهل الإسلام حتى نزلت هذه الآية: (وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ).