نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ١٠٦نحن بإزاء سورة مدنية من نوع المفصّل أو المحكم لا تتعدى آياتها ثمان عشرة آية، وهي السورة الثامنة بعد المائة في ترتيب نزول السور والتاسعة والأربعون في ترتيب سور المصحف الشريف، سمّيت بالحجرات –أي حجرات أزواج الرسول التي ورد ذكرها في أول السورة في قصة وفد بني تميم كما سيأتي التفقصيل-.
ففي السنة التاسعة من الهجرة -وفيها نزلت السورة- عرف المدّ الإسلامّي في جزيرة العرب توسّعا كبيرا انزاحت دائرته إلى أطراف حدود الجزيرة شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، وقد دانت أمّ القرى مكة المكرمة لحكم الإسلام بعد الفتح المبين ودخل الناس في دين الله أفواجا.
ولئن تبلورت النقلة النوعية الجديدة بالتربية الفضلى في ذلك الرعيل الأول من صحابة رسول الله، وتجسّدت في واقع حياتهم اليومية أحكام الدين الحنيف، وتمثلت الأخلاق القرآنية في إيمانهم الراسخ وسلوكهم الصالح كما وصفهم الله في أواخر سورة الفتح، فإن من سمّاهم المؤرخون "ملسمة الفتح" ما يزالون مثقلين بذلك الركام من التقاليد والعادات الجاهلية، يرزحون تحت وطأة العنصرية القبلية بكل ما تعنيه من الحمية والنخوة الطائفية، مما يتطلب مزيدا من الإرشاد الحكيم والتوجيه السليم.
وقد تضمنت هذه السورة الكريمة إرشادات وآدابا في تنظيم شؤون المجتمع، وتحديد الروابط والعلاقات بين جميع أفراده، وذلك بإزالة أسباب البغضاء والشحناء، مما ينزغه الشيطان وأعوانه بين الناس، ثم صيانة تلك العلاقات بالأخوّة الدينية وتأمينها من إنصداع عقدا للصلح بين المتنازعين، وقتالا وردعا للبغاة المتجبرين.
والسورة على قلة آياتها تضع المعالم المحدّدة لمجتمع فاضل ....... فيه العلاقات، ولا تندّ فيه الرغبات عن حدود الآداب مع الله ورسوله أوّلا. ثم مع الخلائق في ما بينها، مهما انداحت دائرة المجتمع الإنساني من المستوى المحلّي إلى المستوى العالميّ.