نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13

الجزء ١٨ · صفحة ١٤٦

ولم يعنفهم الله تعالى في الخطاب بتكذيبهم في ما قالوه، بل أعلمهم بحقيقة أمرهم، ثم عرفهم بحقيقة الإيمان المطلوب وأن مستقرّه القلب، فأية حكمة في هذا الأسلوب الإلاهّي وهو يتألف قلوب هؤلاء الأعراب؟؟ … ويدعوهم إلى حظيرة الإيمان الصحيح، فحسب الإنسان أن يخطو الخطوة الأولى إلى ساحة الله ورسوله بالإذعان والخضوع فيتخطى بذلك عتبة الكفر والشرك، فإنه بذلك يغرس البذرة الأولى للإيمان في قلبه تتفتق عن شجرة طيّبة.

قد يقول اللسان ما ليس له معتقد في القلب بدافع من بعض الظروف، وهو يتقلب معها لينال مطلبا أو يحقق هدفا ولكن الله العليم بذات الصدور لا ينظر إلى الصور والأشكال، ولا تخفى عليه الدوافع والأحوال، والقلب وحده هو مستودع الأسرار، ومصدر المقاصد والنّوايا والإيمان الصادق هو ما وقر في القلب وصدّقه العمل كما قال رسول الله، وحين قال الأعراب بألسنتهم: (ءَامَنَّا): أجابهم الله بحقيقة ما في قلوبهم من الشك والإرتياب، وأن المظهر الذي بدوا عليه أمام رسول الله إنما هو الإسلام، فهم في أوّل السلم يتدرجون، فلماذا جاؤوا يمنون؟؟ … ومع ذلك فإنه تعالى يأخذ بأيديهم في رفق ولطف إن حظيره الإيمان الصحيح.

(وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُم مِّنَ اَعْمَالِكُمْ شَيْئًا اِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ):

إنه الإرشاد الإلاهي الهادئ الذي لا ينفرّ، فهو تعالى العادل فلا تضيع عنده مثقال ذرّة من صالح الأعمال عند التوبة والإنابة وصدق الطاعة والإمتثال، فهو الغفور الرحيم لكل ما بدر منهم في حالة الضعف الإيماني، ثم إنه تعالى يبيّن حقيقة الإيمان الصادق ومقتضياته في سلوك المؤمن يبيّنها بصيغة الحصر خلال وصفه لموقف أولئك الأعراب أزاء دعوة رسول الله فيقول:

٥٬٥٥٠ / ٦٬٢٠١