نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13

الجزء ١٨ · صفحة ٢٦٢

بعد أن حقّر الله مدارك المشركين ووصف ضلالاتهم التي قلدّوا فيها آباءهم وأنهم لا يتطلبون فيها إلا على أساس من الوهم والظن وغلبة الهوى، فرّع على ذلك الأمر لنبيه صلى الله عليه وسلمبالإعراض عنهم وعدم الإكثرات بهم وبيّن أن ذلك الإعراض كان نتيجة عن توليهم عن ذكر الله وتعلقهم بفتنة الدنيا، وأنه تعالى هو أعلم بمن خلق فيجازي كلا بما يستحقه وفق إحاطة علمه بكل شيء، ثم تعرّض لبعض أوصاف المحسنين من عباده، وحذر من تزكية الناس لأنفسهم لأنه هو العليم بمن اتقى، فقال جلّ من قائل: (فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدِ اِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، ذَالِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ).

الإعراض عن الشيء هو صرف الوجه عنه، وهو مشتق من العارض، صفحة الخدّ، والتولّي عن الشيء هو الانصراف عنه وتركه، أمر الله رسوله بأن يعرض عن المشركين فلا يجادلهم ولا يهتم بشأنهم، وذلك بعد إقامته الحجة عليهم بتبليغ ما أمره الله بهم، ولكنهم تولّوا عن ذكر الله وما نزل من القرآن وحصروا اهتمامهم على أمور الدنيا مفتونين بمتاعها مسخرين كل طاقاتهم لخدمتها، وهم ينكرون ما يخبر به القرآن من أمور الآخرة بمثل قولهم: (إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) (المؤمنون:37).

قوله تعالى: (ذَالِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ)، (ذَالِكَ): الإشارة إلى قوله في الجملة السابقة: (وَلَمْ يُرِدِ اِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)، و"مبلغ" اسم مكان يدلّ على الحدّ الذي ينتهون إليه مهما بلغوا من العلم الماديّ الدنيويّ، وفي ذلك تهوين بشأن كل علم لا يوصل إلى الإقرار باليوم الآخر ولا يقترب من معرفة الله وعبادته، ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الرّوم: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الاَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) (7).

٥٬٦٦٦ / ٦٬٢٠١