نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13

الجزء ١٨ · صفحة ٢٨٧

يقول تعالى: (وَإِنْ يَّرَوَا -ايَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ)، أرجح أن تكون هذه الآية كلاما مستأنفا لذكر أحوال المشركين ومواقفهم من آيات الله بصفة عامة، لأن: (-ايَةً) جاءت نكرة في سياق الشرط، فديدنهم مع كل آية هو الإعراض والتكذيب وإدّعاء السحر على رسول الله، ووصف السحر بـ (مُّسْتَمِرٍّ) يحتمل معنى الزوال أو معنى القوة كما بينّا في التحقيق اللغويّ قال تعالى: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَآءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتَ اَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ) (الحجر:14 - 15).

(وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ): هم لا ينفكون عن التكذيب سواء في ما مضى أو في الحال والمآل سواء بما شاهدوه من الآيات الكونية أو بما جاء به الرسول من الهدى والحق في كلام معجز يقرّون بإعجازه وبلاغته، واعتبروه سحرا مستمرّا معرضين عن تدبّر آياته، والعلة في ذلك أنهم خاضعون لأهوائهم وتقاليدهم لا يستندون إلى حجة ولا يعتمدون على دليل، بينما الأمر عند الله ثابت مستقرّ.

(وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ): جاءت هذه الجملة مستقلة بذاتها لتجري مجرى المثل، ذيّل الله بها ما سبق ليبيّن من خلالها أن أمر الله تعالى في تدبير الكون ثابت لا يتزعزع ولا يضطرب؛ لأنه يقوم على الحقّ والعدل لا على الأهواء المتقلبة ولا على الصدفة العارضة فكلّ شيء في موضعه وكلّ في إطاره وزمانه، ولذا فإنّ أمر رسول الله صائر إلى النصر والظّهور؛ لأنّه من أمر الله، كما أن اتّباعهم لأهوائهم وتخبطهم في باطلهم صائر إلى الانخذال والزوال، وهذا كقوله تعالى: (لِكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) (الأنعام:67).

٥٬٦٩١ / ٦٬٢٠١