نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02

الجزء ٢ · صفحة ٢٧٣

ومع هذه القيود في الشّهادة فقد اختلف العلماء في مراعاتها سيما في شهادة المشرك والعبد وأهل الكتاب، وعلّل صاحب المنار ذلك الخلاف بقوله: "الخطاب للمؤمنين يدلّ على أنهّم لا يستشهدون من لم يكن منهم، وكون استشهاد غيرهم ليس مشروعا لهم أو ليس جائزا عملا بمفهوم الصّفة لا يعدّ نصّا على شهادته إذا هو شهد لا تصّح أو لا تدلّ على شيء". ثمّ نقل عن الإمام ابن القيّم تحقيقا في الموضوع يقول عنه: "وقد حقّق العلامة ابن القيّم أنّ البيّنة في الشّرع أعمّ من الشّهادة، فكل ما يتبيّن به الحقّ بيّنه كالقرائن القطعية، ويمكن أن تدخل شهادة غير المسلم في البيّنة بهذا المعنى الذي استدلّ عليه بالكتاب والسّنة واللّغة إذا تبين للحاكم بها الحق".(1)

واشتراط شاهدي عدل في مثل هذا العقد الخاصّ بالمعاملات المالية لأنّها مظنّة للتّحايل والتّزوير ويسهل ذلك مع الشّاهد الواحد، وقلّما يتواطأ اثنان على ذلك إذ سرعان ما ينتبه الحاكم إلى وجه التّخالف بينهما -أحيانا- فيتحرّى وجه الحق في الحكم.

وفي ما إذا لم يتيسّر وجود رجلين فرجل وامرأتان ويلاحظ هنا اشتراط الرّضا بهذه الشّهادة أي بوجود المرأتين، ولعلّ ذلك للوضعية التي كانت عليها المرأة في المجتمعات القديمة من ضعف الثّقة بها في مجال المعاملات ضرورة انشغالها بالبيت والأطفال، وعدم ممارستها لمثل تلك الأعمال المالية التي تحتاج إلى الضّبط والتّدقيق والتّروّي، ولذلك علّل الله جعل المرأتين بمنزلة رجل واحد فقال تعالى: (اَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الاُخْرَى)، أي خشية أن تقع إحداهما في الخطأ فتذكّر كلّ منهما الأخرى بما وقع على الضّبط، وبذلك تقومان مقام الرّجل الواحد.

(1) 1 - محمد رشيد رضا، تفسير المنار، 3/ 123 - 122.

٥٧٦ / ٦٬٢٠١