نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13
الجزء ١٨ · صفحة ٣٩١(لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ): الجملة على الاستئناف الابتدائي تعليلا لأهليته تعالى بذلك التّسبيح إذ هو مالك لكل ما في السماوات والأرض له التّصرّف المطلق في أحوالهما غنيّ عن الأعوان والمساعدين كما يفعل ملوك الأرض، فهو الملك الحقيقي الذي يضفي على الخالق صفة الملِك بحق، وقد خصّص الأحياء والإماتة بالذّكر من أحوال تصرّفه في السماوات والأرض لأنهما الصفتان اللّتان تدلان على كمال القدرة مما لا يستطيع المشركون إدعاءهما لآلهتهم الباطلة كما قال تعالى: (وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُورًا) (الفرقان:3).
وبعد ذلك التخصيص يأتي التعميم بكمال قدرته على كل شيء: (هُوَ الاَوَّلُ وَالاَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ): (هُوَ الاَوَّلُ وَالاَخِرُ): فالأولية عندنا -نحن البشر- محكومة بالزمان والمكان، والله هو خالقهما فهو سبحانه يتعالى عن الزمان والمكان، فهو الأوّل الأزليّ القديم بلا بداية إذ لم يسبقه شيء ولم يكن معه شيء فملكه دائم لا يحدّ بزمان، مستمرّ من قبل وجود أي محدث ومن بعد فنائه إذ هو الباقي بعد فناء الوجود كله كما قال تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ اِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (القصص:88).
(وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ): للظهور معنيان، يكون للانكشاف، وهو ضدّ الخفاء، ويأتي بمعنى الغلبة والنصر على العدوّ، والتقابل بين المتضادين يرجّح المعنى الأول، فيقتضي أن يكون ظهوره تعالى لا بذاته -حاشاه- ولكن بظهور أدلة صفاته في ما خلق. وذلك بطريق التدبّر والنظر والاستدلال، إذ هو باطن خفيّ في ذاته وكنهه محجوب عن أدراك الحواس كما قال: (لاَ تُدْرِكُهُ الاَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الأنعام:103).