نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 13

الجزء ١٨ · صفحة ٤١٨

والله الخالق العليم بخلقه قد قدّر في علمه الأزليّ قبل أن يخلق هذا الكون قدّر كلّ حدث يقع فيه بصفة عامّة وقد خصّص بالذّكر الأرض والأنفس على اعتبار ما يخصّنا -نحن البشر- في ارتباطنا بالأرض، وفي نشاطنا المحكوم بإظهار الزّمان والمكان، إذ ليس في علم الله ماض ولا حاضر ولا مستقبل فهو يعلم ما كان وما سيكون وما هو كائن، فلا مكان للصدفة والعفوية، فقوله تعالى: (مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ) أي نخلقها، وعود الضّمير يتردد ما بين الأرض والأنفس، وعوده إلى الأنفس أنسب لبيان تلك الحقيقة المطلقة لعلم الله الشّامل قبل ظهورها في صورتها التي ظهرت به وذلك سهل يسير على الله، لأنه أعلم بمن خلق.

وحين تستقرّ تلك الحقيقية الإيمانية في النّفوس فإنها تستقبل الأحداث براحة وطمأنينة واعتدال في خيرها وشرّها. وقد ورد في الأثر: من عرف سرّ الله في القدر هانت عليه المصائب.

قال تعالى: (لِكَيْلاَ تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَآ ءَاتَاكُمْ)، فالإنسان عادة ما تستخفه الأحداث، حين ينفصل عن ذلك الشّعور الإيماني بقضاء الله وقدره فيتعامل معها في عراك كأنها جاءت لتصادم وجوده، ولكنه حين يربط ذلك بحركة الوجود الكبرى تدبّر أمرها عناية الله ويحيط بجزئياتها علمه الشّامل المطلق فإنه يحسّ بذلك الرّضى في نفسه، فلا يحزن لما فاته ولا يفرح بما حصل عليه، ومن ثمّ فلا فخر ولا اختيال ينتابه لأنه قد عرف قدره.

٥٬٨٢٢ / ٦٬٢٠١