نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 14
الجزء ١٩ · صفحة ١٧٩(وَلَوَ اَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالاَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف:96).
ومع الخصب ونزول الأمطار تتوفر الأرزاق وتتداول الأموال وتكثر الذّرية ويعمّ الرخاء بسبب الأمن والإستقرار وتتزيّن الأرض بالجنات الخضراء تجري من تحتها الأنهار هذه هي القاعدة الإجتماعية التي أقرّها القرآن في كثير من نصوصه، فإذا ما وجدنا أمة لا تخشى ربها ولا تقيم لشريعته وزنا، ومع ذلك يمكّن الله سلطانها ويوسّع أرزاقها، فليس ذلك نقضا لتلك القاعدة العمرانية بل هو ابتلاء واستدراج برضاء مؤقت لا يخلو من نغصات اجتماعية تكدّر صفوه، والله يقول في هذا المعنى: (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمُ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ* فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام:44 - 45).
ويمضي نوح في دعوته لقومه يدعوهم إلى النّظر في دلائل قدرة الله في خلق أنفسهم وفي صفحة الكون الفسيح فقال:
(مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا* وَقَدْ خَلَقَكُمُ أَطْوَارًا): ينكر عليهم في استفهام توبيخي عدم إحساسهم بعظمة الله، فهم مستهترون مفتونون بقوتهم، لا يذكرون كيف كانوا في بطون أمهاتهم يتدرجون من طور إلى طور بعد أن لم يكونوا شيئا مذكور، وبعد أن أبصروا نور الحياة لا يذكرون كيف تدرّجوا في أطوار العمر من ضعف إلى قوة ثم من قوة إلى ضعف وشيبة وقاعدة أطوار الخلق لا تقتصر على خلقة الإنسان بل هي أعمّ وأشمل في مجال الخلق لجميع الكائنات مما نعرفه ومما لا نعرفه.
ومن النظر في الأنفس إلى النظر في صفحة الكون الفسيح.