نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 14

الجزء ١٩ · صفحة ١٨٤

بعد الأمد الطّويل الذي ضرب الرّقم القياسي في الصّبر والمثابرة لدعوة نوح قومه إلى توحيد الله وعبادته، والتي تعطى صورة حقيقية للجهاد الدّعويّ المضني في كل الرّسالات السّماوية وهي تأخذ بيد البشرية الضالة وترسم لها الطّريق السّريّ إلى الله استجابة لنداء فطرتها، ويمثل نوح عليه السلام النّمودج الأعلى في حسن التّبليغ وتحمّل متاعبه ومشاقه كما يمثل قومه ذلك النّموذج البشريّ العصيّ الفارق في طغيانه وضلالاته، فبعد أن عرض نوح حصيلة جهاده على ربّه، فها هو ذا يبثه شكواه، لعصيان قومه إياه، يثبها بلهجة مؤثرة مبيّنا سبب ذلك العصيان والتمردّ بأنه السّير وراء القيادات الضّالة المفتونة بالمال والأولاد، وهي تستبقي على حظوظها تلك نجداع الأتباع والتفنن في أنواع المكر فهم لم يكتفوا بالضّلال في أنفسهم بل حرّضوا أتباعهم على الاستمساك بعبادة الآلهة الباطلة والإعراض عن دعوة الحق، وهم يثيرون جهة أتباعهم بذكر أسماء تلك الأصنام التي عظموها وعبدوها من دون الله، فظلت تعبد من بعدهم لدهور طويلة لقوله تعالى على لسان نوح: (وَقَدَ اَضَلُّوا كَثِيرًا): حتى كان من نوح عليه السلام ذلك الدّعاء اليائس من أيّ صلاح أو رشاد لأولئك القوم بعدما أوغلوا في ضلالهم وكفرهم، وهم بذلك قد حقت عليهم كلمة العذاب: (وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا): فيستجيب الله لنوح ويقرّر العذاب المستحق لأولئك الكفرة.

٦٬٠٧٤ / ٦٬٢٠١