نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ٣٧٢قلت: من تمام نعمة الله على الأمة الإسلامية أن جعل دينها يتّسم بالوسطية والاعتدال، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمُ (أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (البقرة:143). فمنهج الله الذي يشير إليه سيد قطب والذي يجب أن ينتظم حياة النّاس عقيدة وشريعة وسلوكا هو هذا الدّين المرتضى من الله لخلقه، إذ أكمله وأتمّه بشهادته الحقة إذ قال جلّ من قائل: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلامَ دِينًا) (المائدة:3). والإسلام في معناه الشّامل هو ما دعا إليه رسل الله جميعهم كما بيّنا ذلك في تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الاِسْلامُ) (آل عمران:19). فهذا المسيح عليه السلام يوجّه دعوته إلى قومه وهي نفس الدّعوة التي دعا إليها رسول الله وهي تتلخص في عبادة الله وحده وفي الاستقامة على منهجه السّويّ، إذ قال: (وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَبِّكُمْ فَاتَّقُواْ الله وَأَطِيعُونِ، إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ): مهّد لبلاغ دعوته بقوله: (وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَبِّكُمْ) كرّر مجيئه لهم بآيات لتأكيد صدقه، لأنها آيات من الله خوارق للعادات لا يمكن أن يأتي بها إنسان عاديّ غير موصول بالملإ الأعلى. وصدق الدّاعي يستوجب الطّاعة والإتباع من مريديه وذلك تجسيد لتقوى الله، وهي تتمثل في الإقرار بوحدانية الله في الألوهية والرّبوبية، وفي الخضوع والإذعان إلى أحكامه وإرشاداته على منهج الحق المبين.
تلك هي دعوة المسيح لقومه تحيط به تلك الهالة من المعجزات، وهي كلها من صنع الله تؤازره وتدلّ على صدقه، وأنه مثل إخوانه الرّسل عبد لله اختاره وزكّاه، فكيف كان موقف قومه من هذه الدّعوة الصّادقة التامّة؟.
مِن قوم عيسى مؤمنون وكفّار وجزاء الفريقين
أ) - النّصّ: