نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ٤٤١قد يضعف الإنسان أمام المغريات الفاتنة وهو الظّلوم الجهول، والمستعسر العجول، فبعد ذلك التّحذير من الانخداع لوساوس أهل الكتاب جاء التّحريض للمؤمنين على تمام التّقوى والتزامه حتى الموت، وهو أمر قد يشقّ على كثير من النّاس، ولذا ذكر بعض المفسّرين أنه لما نزلت هذه الآية قال الصّحابة: يا رسول الله، من يقوى على هذا؟. وشق عليهم ذلك. فأنزل الله عز وجل: (فَاتَّقُواْ اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن:16). قالوا: فنسخت هذه الآية.
ولكن بعض المحققين لا يرون النّسخ إذ لا تعارض بين الآيتين في المعنى، بل الثانية بيان للأولى بمعنى أن الأمر الإلهي بتقواه حق التّقوى أن لا يكون فيها أي تقصير من المؤمن، وهو معنى قوله: (فَاتَّقُواْ اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وقد فسّرها ابن مسعود رضي الله عنه بقوله: أن يُطاع فلا يُعصى، ويُشكَر فلا يُكفَر، ويُذكَر فلا يُنسَى.(1)
ومن علامات حق التّقوى أن يستمرّ عليها المؤمن حتى مماته: (وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ): أي استمرّوا على الإسلام وحافظوا على أعماله والتزاماته، لأن العبرة بخواتم الأعمال، والموت على الإسلام يستلزم المحافظة عليه طيلة الحياة، وهذا النّهي مبني على قاعدة: "إن المرء يموت غالبا على ما عاش عليه". ولذا ورد في الدّعاء المأثور: "اللهم اجعل حياتنا زيادة في كل خير، ومماتنا سلامة من كلّ شرّ، واجعل اللّهمّ خير عمرنا آخره، وخير عملنا خواتمه، وخير أيامنا يوم لقائك".
(1) -