نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ٨٢ج) – البيان والتفسير:
ما يزال السياق متتابعا موصول الحلقات من مفتتح السورة إلى هذا البيان المذكور في هذه الآية الكريمة، فقد ضرب الله مثلين لليهود والمنافقين في الحيرة والاضطراب أمام ما يسمعونه من بيان كتاب الله، وهم لا يألون جهدا في الطعن والتشكيك في نبوءة رسول الله بمثل قولهم: (أما يستحيي رب محمد أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت)، إشارة منهم إلى ما ورد في سورتي "الحج" و"العنكبوت" وهما سورتان مكيتان، وهؤلاء يبتهلون كل فرصة للكيد والطعن بمثل تلك الشبه السخيفة، فجاء هذا الردّ الإلهي الحاسم لبيان حكمة الله في ضرب الأمثال ولو كان ذلك بأحقر المخلوقات، لأن القدرة الإلهية في الخلق والإبداع لا ينظر فيها إلى النوع والكم ّ، ولكن إلى الكيف.
(إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَّضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا): ليس ضرب المثل بأي نوع من المخلوقات ممّا يعاب ويستهجن، لأن المقصود به هو التفهيم والتنوير والإيضاح والبيان لما يدق من المعاني بضروب من الأساليب الحيّة المتداولة على ألسنة الفصحاء والبلغاء إذ قالوا في أشباه هذه الأمثال: "أسمع من قراد" و"أطيش من فراشة" و"أعزّ من مخّ النملة أو البعوضة" …
فالله تعالى لا يترك ضرب الأمثال التي من شأنها أن تؤثر في النفوس فتهديها إلى طريق الحق مهما كانت حقارة الممثل به كالبعوضة أو ما كان فوقها أو دونها في الصغر أو الحقارة، لأن قدرة الله في جميع الخلائق صغيرها وكبيرها جليّة واضحة بقطع النظر عن حجمها وشكلها.