نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ١٠أَمْرُ اليهود عجيب بمكرهم ودسائسهم، فإذا كان القرآن يحرّض المؤمنين على الصّدقات بمثل قوله تعالى في سورة البقرة: (مَن ذَا الذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفُهُ’ لَهُ (أَضْعَافاً كَثِيرَةً) (البقرة:245)،بادر اليهود لدفع ذلك التّحريض بأسلوب خسيس يمسّ عقيدة المؤمنين في كمال ربّهم فيقولون: (إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ): كما قاله فنحاص بن عازوراء -وهو من أحبار اليهود- لأبي بكر وقد دعاه إلى الإيمان فقال: "ما بنا إلى الله حاجة، وإنّه إلينا لفقير، ولو كان غنيّا لما استقرضنا أموالنا كما يزعم صاحبكم".-وحاشا لله- ولا يستغرب هذا الموقف الخسيس منهم فهم منذ وجدوا عبدة المال وعبيد الدّنيا.
ومع انتقال السّياق إلى الحديث عن اليهود فهو لا يخلو من مناسبة لما قبله لذكر البخل فيما سبق، وما ينتظرهم من الجزاء يوم القيامة.
وجيء بفعل: (سَمِعَ) ولم يقل: "علم" مثلا للتعبير على مزيد من العناية بالمسموع، ولإفادة أن الله تعالى يراقب أقوال عباده، وذلك يتضمّن التّهديد على كل كلام فاحش، وقد أردف ذلك التّهديد بوعيد قوله: (سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ)، والمقصود به أن هذا الذّنب الشّنيع في الجراءة على الله مما لا يكون فيه عفو ولا صفح، لأنه كلمة كفر صُرَاح، ولأن لفظ الكتابة هو آكد من لفظ الحفظ لما فيه من معنى الاستتباب وأمن النّسيان.
وضمّت إلى هذا الذّنب الشّنيع جريمة القتل للأنبياء لبيان أن ذلك ليس بِدعاً في اليهود، إذ قتلوا الأنبياء والمرشدين مثل زكرياء ويحيى، ثم للزّيادة في ذمّهم يذكر ما فعله الأسلاف مقرونا بما يفعله الأخلاف على قاعدة: الرّاضي بالشّيء كفاعله.
وقوله تعالى: (وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ) التّعبير هنا بالذّوق لإفادة تكرّر الإحساس بالألم، وذلك أدعى لتضخيم مرارة العذاب.