نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٤ · صفحة ٣٠

وقد فرّعوا دعاءهم هذا بـ"الفاء" لطلب المغفرة وتكفير السّيئات، وأن تكون وفاتهم مع الأبرار، وذلك لأنهّم توسّموا أن تكون مبادرتهم للإيمان محلّ قبول عند الله فهم يرجون استجابة دعائهم وسألوا الوفاة مع الأبرار. والمعية هنا اعتبارية، وهي بمعنى أن يوفقهم الله لملازمة البرّ والتّقوى حتى مماتهم، فيكونوا من جملة الأبرار في كمال صلاحهم وتقواهم.

ثم ترقّوا في السّؤال إلى طلب تحقيق المثوبة فقالوا: (رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ).

يتضمّن هذا الدّعاء الأخير استشعار المؤمنين بالعبودية لله بإظهار تقصيرهم واعتمادهم على الله فبعد أن طلبوا الثّواب طلبوا ترك العقاب، وهم يقصدون طلب التّوفيق من الله لطاعته بحسن القيام بها ثم التّوفيق لاستبقائها حتى الممات حتى تتحقّق لهم الخاتمة السّعيدة.

ويحتمل في كلمة: (عَلَى) أن تكون للتّعليل أي لأجل اتّباع رسلك، أو يكون المعنى بحذف مضاف مقدّر، أي على ألسنة رسلك أو على تصديق رسلك، وأمّا وعد الله فهو على الأرجح الجزاء الأحسن في الدّنيا والآخرة بالعزّ والتّمكين وبالنّعيم المقيم، وخصّه بعض المفسّرين بالدّنيا كما خصّه آخرون بالآخرة، والأظهر هو القول الأول لقوله تعالى: (فَأَتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الاَخِرَة) (آل عمران:148).

واستشكل بعض المفسّرين كيف طلبوا أن لا يخلف الله الميعاد مع علمهم أن الخلف في وعد الله محال؟؟ وحاول هؤلاء الإجابة على الإشكالية بعدة أوجه تتلخّص في ما يلي:

أ) - أنهم يخشون بطلان قرباتهم عند الله لما عساهم قد خلطوها بما يفسدها، فهم سألوا من الله ذلك ليكون حصوله أمارة على القبول.

ب) - أنهم أرادوا طلب التّوفيق إلى أسباب ما وعدهم الله على ألسنة رسله.

ج) - المقصود هو إظهار الخضوع والتّذلّل لله تعالى لا طلب الفعل.

٨٩٣ / ٦٬٢٠١