نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ٩٠والقرآن يصوِّر الموت تصويرا مأخوذا من حياة الإنسان المتقلِّبة بين النَّوم واليقظة، وكيف أقدره الله تعالى ومكَّنه من هذه الموتة المؤقتة ليأخذ قسطه من الرَّاحة، ويستعيد نشاطه لليوم الجديد وأنّ الذي سخّر له ذلك لا يعجزه أن يعيد حياته مرَّة أخرى، فقال تعالى في سورة غافر: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الاَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ التِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الاُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى اِنَّ فِي ذَالِكَ لأيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الزمر: 42).
وفي لغز الموت والحياة استرعى انتباهي قوله تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمُ، أَيُّكُمُ، أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) (الملك: 01 - 02)، فقلت: إنَّ تقديم الموت على الحياة -وهما عرضان للكائن الحي- قد جاء على مقتضى الواقع الطبيعي المذكور في هذه الآية التي نحن بصدد تفسيرها (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ)، ولكن استشكلت التعبير بـ"الخلق" للموت -وهو عدم وحقيقة سلبية-، ثم إننا إذا أمكن لنا أن نلمس العدم والفناء يعرضان للكائن بعد قيام ذاته وتحرُّكه في مجرى الحياة، كما قدّره الله أن يكون، فكيف نتصوَّر العدم وهو لم يوجد بعد؟
غير أننا نستروح من الآية الكريمة وجودا روحانيا لهذا الكائن في عالم الغيب الذي لا يعلم سرَّه إلا الله تعالى، بدليل التعبير بالكينونة الماضية (كُنتُمُ، أَمْوَاتًا) وذلك العالم الروُّحاني هو ما يعبِّر عنه العلماء "عالم الذرّ".