نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٧٢الآية على الاستئناف البياني، ومناسبتها لما قبلها أنها جاءت نتيجة لحكم إيتاء أموال اليتامى لا فرق بين الذّكور والإناث، ولا بين القليل والكثير من المال الموروث، ثم هي مقدّمة لتفصيل أحكام المواريث، وتندرج كسابقتها في إطار تغيير بعض العادات الجاهلية في التّصرفات المالية إذ يؤثرون بالأموال الأقوياء والأشداء ويحرمون الضّعفاء، سيما النّساء، زوجات أو بنات، إذ يخشين انحراف الأزواج فيتخذن عند أوليائهن يدا بترك تلك الأموال يستأثرون بها دونهن. فجاءت هذه الآية تمهيدا لأحكام الميراث يثبت الله فيها لكل من الرّجال والنّساء النّصيب المناسب وجعل ذلك فريضة من الله. وقد اعتبر العلماء أن هذه الآية هي أوّل تقرير لحق النّساء في الإرث عند العرب، هيّأت نفوسهم إلى ما يأتي مفصّلا من بعد.
ومما روي في أسباب نزولها أن أوس بن ثابت الأنصاريّ توفي في "أحد" وترك امرأته مع بنتين، فاستوفى عمّهما مالهما -على عادة العرب- في حرمان النّساء من الميراث، فشكت ذلك لرسول الله فنزلت الآية.
كان للجاهلين أنماط من التوريث: فيورثون بالحلف وبالمعاقدة والأخوّة، ولا يعتبرون في البنوّة إلا الذّكور فلا يعطون البنات شيئا، وأما الزّوجات فكنّ موروثات لا وارثات؛ وإزاء هذا الوضع فلا بدّ من التّدرّج وتهيئة النّفوس إلى تقبّل الأحكام الجديدة في التّوريث، ومن ثمّ كان هذا الإجمال في بيان الحق والنّصيب في الميراث يعقبه ذلك التّفصيل الوارد في الآية اللاحقة. وفصّل الله في حقية النّصيب لكل من الرّجال والنّساء ليكون الحكم عامّا، وأنهم فيه سواء في حكم الله تعالى، قلّ المال أو كثر.