الأيمان
الجزء ١ · صفحة ١٠فالألايا : جمع ألية ، وهي اليمين ، مأخوذة من آلآ يؤلي ، ومنه قوله تعالى : " للذين يؤلون من نساءهم تربص أربعة أشهر "(1) ، فالشاعر يصف ممدوحه بأنه قليل الألايا - أي قليل القسم - حافظ ليمينه ، وإن وقعت منه اليمين فإنه يحرص على برها ، وبعض المفسرين قال لئن كان هذا الأمر من شأن أهل الجاهلية مع كونهم منغمسين في الضلال فكيف بالمسلمين ، بل كيف بأهل العلم من المسلمين يقعون في مثل هذه الحالة المستهجنة المذمومة ، فلا يبالي أحدهم أن يحلف بالله تبارك وتعالى لأدنى شيء من غير أن يضطره إلى الحلف أمر له قيمة .
ولكن لا نسلم أن ذلك كان من عادات أهل الجاهلية بدليل أن هذا الشاعر لم يكن جاهلياً بل هو من الشعراء الإسلاميين فهو كُثيّر ، وعليه فلا يستظهر من هذا الشعر أن أهل الجاهلية كانوا يحافظون على بر أيمانهم مع كونهم لا يحلفون إلا قليلاً . وإنما بعدما جاء الإسلام بهذا الأدب القرآني والتوجيه الرباني حافظ الذين استمسكوا به على هذه الآداب فكان من بينهم هذا الذي يعنيه الشاعر بهذا الثناء.
وقيل : بأن الذي يكثر الحلف يكون حلفه سبباً لعدم ثقة الناس به ، فالناس لا يعبأون بالحلاّف ولا يهتمون بأقواله ولا يكون له ولا لأقواله وزن بينهم ، ولذلك سماه الله تبارك وتعالى مهيناً فقال : " ولا تطع كل حلاف مهين "(2) بل هو بنفسه يكون غير واثق من نفسه ، لأن كثرة الحلف من الإنسان تنشأ عن عدم ثقته بنفسه ، فهو يشعر أن الناس غير واثقين به وبكلامه ، لأنه يعلم أنهم يعرفون من خلاله ما هو عارف به ، فلذلك يحاول أن يجبر هذا النقص بكثرة الحلف ليكتسب ثقة الناس ، وبناءً على هذا التفسير تكون الأيمان جمع يمين .
(1) الآية رقم ( 226 ) من سورة البقرة .
(2) الآية رقم ( 10 ) من سورة القلم .