الأيمان
الجزء ١ · صفحة ٩وقيل بأن المراد : لا تجعلوا الله غرضاً لأيمانكم ، بحيث تحلفون به في جميع أحوالكم : في جدكم وهزلكم ، في أمور آخرتكم ودنياكم ، فيما ينفعكم وفيما يضركم ، بحيث تجترئون على الله سبحانه وتعالى بالحلف على أي حال ، وهذا القول مروي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها ، وروي مثله عن الإمام مالك ، وجنح إليه عدد كبير من المفسرين من بينهم الراغب الأصفهاني والفخر الرازي وأبو حيان والقطب في تفسيريه ( الهيميان ، والتيسير ) ، وعدد آخر من المفسرين ، وعضدوا ذلك بأن اسم الله سبحانه وتعالى يجب أن يقدس وينزه ، فلا يكون عرضة لتلاعب الناس به ، وكثرة الحلف باسمه سبحانه وتعالى إنما تدل على عدم رسوخ هيبته في القلوب ، ولذلك ذكر الله سبحانه وتعالى مجموعة من صفات الذم في الإنسان الذي يجب أن يجتنب ، وصدر هذه الصفات بكثرة الحلف ، فقال عز وجل : " ولا تطع كل حلاف مهين همازٍ مشاءٍ بنميم مناعٍ للخير معتدٍ أثيم عتلٍ بعد ذلك زنيم "(1) فهذه الصفات كلها قبائح ، ولكنها ابتدئت بالحلاف ، والحلاّف من الحلف على وزن فّعّال بمعنى كثير الحلف ، ويؤكد ذلك أيضاً قوله سبحانه وتعالى : " واحفظوا أيمانكم "(2) ونجد مجموعة من المفسرين يقولون بأن العرب كانت منذ عهود الجاهلية ترى أن كثرة اليمين والحلف منقصة في الإنسان ، واستدلوا لذلك بقول الشاعر :
قليل الألايا حافظ ليمينه
وإن صدرت منه الألية برتِ
(1) الآية رقم ( 10 - 13 ) من سورة القلم .
(2) الآية رقم ( 89 ) من سورة المائدة .