فتاوى الأيمان والكفارات والنذور والذبائح والأطعمة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

النذور

الجزء ٣ · صفحة ٥

وإنما هذه الآية الكريمة تكررت في سورة النساء مرتين ، والسياق هو الذي يدل على معناها ويشخصه ، فإنها مسبوقة في أحد الموضعين بقول الله سبحانه وتعالى : "يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزّلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولاً"(1) ثم تبع ذلك قوله : " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء "(2) ، وسبقها في الموضع الآخر قوله تعالى : " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً * ، ثم تبعه قوله : " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"(3).

ومعنى ذلك أن تعالى لا يغفر الشرك ولو تاب المشرك من أي معصية من المعاصي ، وإنما يغفر المعاصي كلها إذا تاب من الشرك ، فإن الإسلام جب لما قبله ، فهذه دعوة للدخول في الإسلام ، مع تبشير الذي يدخلون فيه بأن ما سلف منهم من المعاصي يغفر بدخولهم في الإسلام ، كما قال تعالى : " قل للذين كفروا إن ينتهوا يُغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين "(4) ، فالذين يتوبون من شركهم هم الذين شاء الله تعالى أن يغفر لهم ما سلف مما هو دون الشرك بدون توبة لأن الإسلام وحده كاف لئن يجب ما قبله .

وبهذا ينتظم هذا النص مع سائر النصوص الأخرى التي تؤكد الوعيد الشديد على الكبائر في سلك واحد من المعنى فلا يكون بينها تنافر وتعارض ، وإنما وعد الله سبحانه أن يغفر الصغائر مع اجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر وذلك في قوله : " إن تجتنبوا كبائر ما تُنهون عنه نكفّر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً "(5) ، والله المستعان .

(1) الآية رقم 47 من سورة النساء .

(2) الآية رقم 48 من سورة النساء .

(3) الآية رقم (115-116) من سورة النساء .

(4) الآية رقم 38 من سورة الأنفال .

(5) الآية رقم 31 من سورة النساء .

١٢١ / ٤٠٥