الذبائح
الجزء ٤ · صفحة ٣٥وحجة الجمهور حديث رافع بن خديج قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة وقد أصاب القوم غنماً وإبلاً ، فندَّ منها بعير فرمى بسهم فحبسه الله به ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن هذه البهائم لها أوابد كأوابد الوحش ، فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا "(1) ، وذلك أن تسليط النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الفعل دليل على أنه ذكاة ، واستدلوا من جهة القياس أيضاً أن الوحشي إذا تأنَّس يعامل معاملة الأهلي ، فهكذا الإنسي إذا توحَّش(2) ، واحتج المالكية ومن وافقهم بأنه مقدور عليه في غالب الأحوال ، فلا يراعى النادر منه وإنما يكون ذلك في الصيد ، وأجابوا عن حديث رافع بن خديج بأن قالوا : تسليط النبي صلى الله عليه وسلم إنما على حبسه لا على ذكاته ، وهو مقتضى الحديث وظاهره " فحبسه " ولم يقل : إن السهم قتله(3) .
ويستأنس لرأي الجمهور بتشبيه النبي صلى الله عليه وسلم لأوابد البهائم الأهلية بأوابد الوحش ، إذ في ذلك إشارة لطيفة إلى أنها يصنع بها كما يصنع بالوحشي ، وأُلحق عند الجمهور بالنادِّ من بهيمة الأنعام ما وقع في بئر أو نحوها ، فتعذر التوصل إلى تذكيته بالذبح أو النحر(4) .
المبحث الثاني : في أهلية المذكي :
(1) رواه البخاري في كتاب الذبائح والصيد ، باب ما ند من البهائم فهو بمنزلة الوحش رقم ( 5190 ) ومسلم في كتاب الأضاحي باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم رقم ( 1968 ) .
(2) انظر المجموع : 9/122 ، 123 .
(3) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن : 6/56 .
(4) انظر المرجع السابق نفسه .