فتاوى الأيمان والكفارات والنذور والذبائح والأطعمة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الأيمان

الجزء ١ · صفحة ١٩

فيظهر الأمر بخلافه ، والتعبير بالاستيقان إنما هو من باب المجاز إلحاقاً للظن الراجح باليقين، وهذا القول مروي عن أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهما ، وقال به عددٌ كبير من التابعين ، وهو الذي ذهب إليه الإمام مالك في الموطأ ، والإمام أبو حنيفة في المشهور عنه ، ودرج عليه أصحابه الحنفية ، وعزاه الشوكاني إلى الزيدية ، وحجته أن الإثم لا يترتب على نفس اليمين وإنما يترتب على الحنث فيها ، فلو أن أحداً حلف لا على قصد الحنث لما ترتب على حلفه شيءٌ من الإثم ولكنه يأثم بوقوع الحنث ، وهذا لم يكسب الحنث بقلبه فلا يدخل حنثه فيما كسبت القلوب ، وقد قال تعالى : " ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم "(1) فهذا حلف على ما كان متيقناً عنده أو راجحاً ظنه فيه ولا يرى إلا أنه كذلك وإن كانت الحقيقة بخلاف ما ظن أو بخلاف ما استيقن كما عبر بعضهم ، فقصارى أمره أن يعد مخطئاً إذ لم يصب عين الحقيقة في قسمه وإن كان يرى أنه لم يعدها ، وذكر الفخر الرازي أن الخلاف بين الإمامين أبي حنيفة والشافعي في المسألتين خلاف تترتب عليه أحكام فيتفرع على قول الإمام الشافعي أنه لو حلف أحد على أمرٍ ما وهو لا يظنه إلا كذلك فانكشف بخلاف ذلك أنه بهذا يحنث وتلزمه كفارة ، ويترتب على ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة أن من حلف على ما ترجح ظنه عنده فتبين له خلاف ذلك أنه لا حنث عليه ولا كفارة عليه ، ولكن إذا انفلت لسانه بقول بلى والله ، وكلا والله ، ولا والله ، فذلك قسم صدر منه في حين غفلة فإن استمر في غفلته ولم ينتبه له فلا حرج عليه ، وأما إذا انتبه له وجب عليه أن يكفر ، وحكى بعض العلماء أن الإمام أبا حنيفة مذهبه أنه لا يترتب على الحلف حكم اليمين في كلتا الحالتين ، فمن حلف بالله على أمرٍ لا يرى إلا أنه كذلك فتبين له بخلافه فهو مغدور ويمينه لاغية ولا كفارة عليه في ذلك ، وكذلك من اندرجت في حديثه ألفاظ اليمين

(1) الآية رقم ( 225 ) من سورة البقرة .

١٩ / ٤٠٥