الذبائح
الجزء ٤ · صفحة ٥٩وأما السنة فقد استدلوا منها بما أخرجه البخاري والدارقطني عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : إن قوماً قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إن قوماً يأتوننا بلحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا ؟ فقال : " سموا أنتم عليه وكلوه "(1) ، قالت : وكانوا حديثي عهد بالكفر ، ووجه استدلالهم ما قاله المهلب : هذا الحديث أصل في أن التسمية على الذبيحة لا تجب ، إذ لو كانت واجبة لاشترطت على كل حال ، وقد أجمعوا على أن التسمية على الأكل ليست فرضاً ، فلما نابت عن التسمية على الذبح دل أنها سنة ، لأن السنة لا تنوب عن الفرض(2) .
وبما رواه أبو داود عن الصلت السدوسي مولى سويد بن ميمون – وهو أحد التابعين – قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ذبيحة المسلم حلال ، ذكر اسم الله أو لم يذكر ، إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله "(3) . قال ابن كثير هذا مرسل يعضد بما رواه الدارقطني عن ابن عباس أنه قال : " إذا ذبح المسلم فلم يذكر اسم الله فليأكل فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله "(4) .
وهذه الأدلة كلها لا تقاوم أدلة من خالفهم ولا تدانيها ، فأما ما استدلوا به من آيتي المائدة والأنعام فهو استدلال أوهن من أن يرقى إلى مراتب الأدلة الشرعية وأضعف من أن يحتاج إلى رد ، فإن ذكر حكم من الأحكام في أعيان يتعلق بها لا يكون بحال دليلاً على عدم تعلقه بغيرها حتى يرد به الدليل الدال على ذلك وإن كان نصاً فيه .
(1) رواه البخاري في كتاب الذبائح والصيد ، باب ذبيحة الأعراب ونحوهم ؛ ورواه الدارقطني في كتاب الأشربة وغيرها، باب الصيد والذبائح والأطعمة وغير ذلك ، ورقم الحديث في هذا الباب (99) .
(2) فتح الباري : 9/635 .
(3) رواه أبو داود في المراسل كتاب الجهاد باب ما جاء في الضحايا والذبائح رقم ( 378 ) .
(4) تفسير ابن كثير : 2/169 .