الذبائح
الجزء ٤ · صفحة ٦٥هذا نص كلامه وهو صريح في أن الذكر المطلوب الذي يتوقف عليه حل الأكل لابد من أن يكون باللسان ، ولا يكتفي بما في القلب وحده ، وهذا هو الذي يتفق مع نسق التشريع وتقتضيه سنن التعبد ، فإن الله تعالى يصف القرآن بقوله : " بل هو آياتٌ بينات في صدور الذين أُوتوا العلم "(1) ، وقد فرض على عباده أن يقرؤوه بألسنتهم في صلواتهم ، ولا يُكتفى من أحد إن قال : إن القرآن الكريم كله في قرارة نفسي وملء ذاكرتي ، فلا داعي أن أقرأ شيئاً منه في صلاتي . ولا تكون صلاته بذلك صحيحة بالإجماع .
وأما الصورة الثانية التي أسقط فيها اشتراط الذكر لحل المذبوح وهي أن يقول الذابح : إن الذبح ليس قربة فلا داعي إلى ذكر اسم الله عليه ، فنعرضها أيضاً على كلامه بنفسه ، فقد قال بعد ذكره لأدلة وجوب التسمية : ( وهذه أدلة ظاهرة غالبة عالية وذلك من أظهر الأدلة وأعجب لرأس المحققين إمام الحرمين يقول في معارضته هذا : وذكر الله إنما شرع في القُرب ، والذبح ليس بقربة ، قلنا : هذا فاسد من ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه يعارض القرآن والسنة كما قلنا .
الثاني : أن ذكر الله مشروع في كل حركة وسكنة حتى في خطبة النكاح ، وإنما تختلف درجاته بالوجوب والاستحباب .
الثالث : أن الذبيحة قربة بدليل افتقارها إلى النية عندنا وعندك ، وقد قال الله تعالى : " لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم "(2) .
(1) الآية رقم ( 49 ) من سورة العنكبوت .
(2) الآية رقم ( 37 ) من سورة الحج . أحكام القرآن 2/749، 750.