الذبائح
الجزء ٤ · صفحة ٦٨ولم يكن منشأ هذا التأويل البعيد إلا ما فهموه من منع العطف بين جملتين لم تتفقا في الخبرية والإنشائية ، وهو أساس متداعٍ فإنه – وإن قال جماعة من النحويين بالمنع من هذا العطف – منقوض بالشواهد الكثيرة التي تفيد الجواز، وإن تأول المانعون بعضها فإن غالبها يستعصي على التأويل ، منها قوله تعالى : " وإذ جعلنا البيت مثابةً للناس وأمناً واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل "(1) ، فإن " اتخذوا " إنشاء معطوف على "جعلنا" ، وهو خبر وعطف عليه خبر آخر وهو " عهدنا " ، ومنه قوله تعالى: " ولا تنحكوا المشركات حتى يؤمنَّ ولأمةٌ مؤمنة خيرٌ من مشركةٍ ولو أعجبتكم ولا تنحكوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبدٌ مؤمنٌ خيرٌ من مشركٍ ولو أعجبكم "(2) ، وهو كما يظهر للجميع تضمن إنشاءين وخبرين ، فقد عطفت جملة " ولأمةٌ مؤمنة خيرٌ من مشركةٍ " وهي خبر على جملة " ولا تنكحوا المشركات " وهي إنشاء ، ثم عطف عليها جملة " ولا تنكحوا المشركين " وهي إنشاء ، ثم جملة " ولعبدٌ مؤمنٌ خيرٌ من مشركٍ " وهي خبر؛ ومثله قوله تعالى : " ولا تقبلوا لهم شهادةً أبداً وأولئك هم الفاسقون "(3) ، فإن اختلاف الجملتين في ذلك واضح ، وكذلك قوله تعالى : " واتقوا الله ويعلمكم الله " ، وبهذا الذي قلناه قال جماعة من محققي النحويين ، فقد ذكر الحافظ ابن حجر بأن سيبويه ومن تبعه من المحققين يجيزون ذلك ولهم شواهد كثيرة(4) ، ونسب الإمام محمد الطاهر ابن عاشور القول بالجواز إلى المحققين(5) ، وممن قال به الإمام المفسر النحوي أبو حيان(6) .
(1) الآية رقم ( 125 ) من سورة البقرة .
(2) الآية رقم ( 221 ) من سورة البقرة .
(3) الآية رقم ( 4 ) من سورة النور .
(4) فتح الباري : 9/624 .
(5) التحرير والتنوير : 8/41 .
(6) البحر المحيط : 1/111 .