فتاوى الأيمان والكفارات والنذور والذبائح والأطعمة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الذبائح

الجزء ٤ · صفحة ٧٩

ومثله حكم المجتمع الكتابي المحافظ الذي لم ينغمس في الإباحية والإلحاد ، كما يدل عليه حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه ، عند الشيخين قال : دلي جراب من شحم من قصر خيبر فدنوت لآخذه ، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يبتسم إليّ ، فإنه بالقطع لم يكن معلوماً عين من ذبحه ، ولكن بما أنه بين اليهود الكتابيين عُدَّ في حكم ما ذبحه أهل الكتاب ، وفي هذا تيسير للناس إذ الحكم إنما هو للأكثر الغالب ؛ ولكن الإمام النووي نصّ على خلافه ، حيث قال : " لو وجدنا شاة مذبوحة ولم ندرِ من ذبحها ، فإن كان في بلد فيه مَن لا تحل ذكاته كالمجوس ، لم تحل سواء تمحضوا أو كانوا مختلطين بالمسلمين ؛ للشك في الذكاة المبيحة والأصل التحريم ، وإن لم يكن فيه أحد منهم حلّت "(1) .

ويستفاد منه أن وجود واحد من هذا الصنف في مجتمع أغلبه مسلمون أو كتابيون كافٍ في تحريم ما لم يُعرف ذابحه ، ولا يخفى ما فيه من التشديد ، وهو يؤدي إلى حرج عظيم ، وإن كان مبنياً على الأصل وهو حرمة اللحوم ما لم تثبت تذكيتها إلا أن هذا الأصل مدفوع بأصل آخر ، وهو أن ما وُجد في بلاد الإسلام محمول على موافقة الشريعة الإسلامية .

على أن الأخذ بما ذهب إليه النووي يؤدي إلى تحريم أن يتزوج أحد في بلد له فيها محارم مجهولة بالنسب أو الصهر أو الرضاع ، ما لم يتيقّن أن التي تزوجها ليست من محارمه ، فإن الأبضاع الأصل فيها الحرمة ما لم يثبت حِلّها ؛ إلا أننا نجد من العلماء من نصّ على أن جهل النسب لا يؤدي إلى حرمة الزواج ما لم يتبيّن موجبها(2) ، وهو الأيسر والأرفق بالناس .

المحور الثالث

حكم اللحوم المستوردة

(1) المجموع : 9/80 ؛ ويقرب منه ما في حاشية الرهوني على شرح الزرقاني لمختصر خليل : 3/9 ، 10 ، ط دار الفكر، إلا أنه حمل ذلك على الورع .

(2) السالمي ، مشارق الأنوار ، ص120 – 121 .

٢٢٣ / ٤٠٥