الأيمان
الجزء ١ · صفحة ٢٣وذكر ابن العربي أنه مما لا ينبغي أن يختلف فيه أن اليمين التي يحنث صاحبها نسياناً لا يؤاخذ بحنثه فيها ولا تلزمه كفارة بسبب ذلك الحنث ، وحكى ابن عبد البر أن يمين اللغو ما أُكره عليه الإنسان ، وجنح القرطبي إلى الأخذ بهذا الرأي ، ولكن لابد من تقييد ذلك بكونه مكرهاً من قِبل ظالم على غير وجه شرعي ، لأنه إن أكره على اليمين من قبل حاكم شرعي لوجوبها عليه بقضاء شرعي فإنه لا يرتاب أنه مؤاخذ بها إن كانت كاذبة وتجب عليه الكفارة لحنثه فيها ، وذهب بعضهم إلى أن يمين اللغو هي اليمين المكفرة ، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وعليه فإن ما لم يكفر هو الذي يؤاخذ به الحالف إن حنث ، وأما المكفر فإن الكفارة ترفع حنثها عنه ، فلذلك لا يؤاخذ بها ، ولا خلاف في أن الحانث عندما يكفر يمينه توبةً منه إلى الله ورجوعاً إليه لخشيته منه سبحانه وتعالى لا يؤاخذ بيمينه التي حلفها ، فإن التوبة النصوح تمحو أثر المعصية ، وسميت الكفارة كذلك لأنها تستر معصية صاحبها برجوعه إلى الله وابتغائه مغفرته وعفوه ، ولكن لا يعني ذلك أن هذه هي يمين اللغو ، كيف ؟ وفي سورة المائدة ما يدل بوضوح على أن يمين اللغو لا كفارة فيها ؟ فالمؤاخذة ليست بالكفارة وحدها وإنما تشمل المؤاخذة في الدنيا وفي الآخرة ، فقول الله سبحانه وتعالى : " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم "(1) معناه لا يؤاخذكم في الدنيا بإلزام الكفارة بسببها عليكم ولا في الآخرة بعقوبتكم عليها إن لم تكفروا وتتوبوا منها .
وبهذا يتبين أن ما تجب فيه الكفارة داخلاً في حدود يمين اللغو .
(1) الآية رقم ( 225 ) من سورة البقرة .