الذبائح
الجزء ٤ · صفحة ١١٢هذه الآية بالمنطوق دلت عليه تلك بالمفهوم ، ودلالة كل واحدة من الآيتين شادة من دلالة الآية الأخرى ، والعلماء مع هذا كله اختلفوا من لدن الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - في أكل ما لم يُذكر اسم الله تعالى عليه ، منهم من أباح على الإطلاق أكل الحيوان المحلل إذا ذبح من غير ذكر اسم الله تعالى ، وقد روي هذا القول عن طائفة من الصحابة ، منهم ابن عباس وأبو هريرة رضي الله عنهما ، وروي عن الإمام جابر بن زيد وغيره من التابعين وهو قول الإمام الشافعي ، وذهب طائفة من الصحابة منهم ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، وطائفة من التابعين كمحمد بن سيرين ، وطائفة من أئمة العلم كالإمام مالك ، وهو رواية عن الإمام أحمد ، إلى تحريم أكل ما لم يُذكر اسم الله تعالى عليه من غير أن يفرّقوا بين أن يكون ترك ذكر اسم الله تعالى عمداً أو نسياناً ، وروي عن الإمام مالك والإمام أحمد التفرقة بين حالتي العمد والنسيان كما روي أيضاً عن الإمام أبي حنيفة وهو القول المشهور في المذهب الحنفي ، وهذه الأقوال كلها موجودة عند أصحابنا رحمهم الله كما جاء ذلك في النيل وشرحه ، وهناك قول آخر روي عن أشهب من أصحاب مالك وهو الكراهة إذا كان الترك من غير استخفاف بالاسم الكريم ، وينبغي أن نناقش وجوه هذه الأقوال مع هذا النص الصريح في القرآن الكريم ومع الأحاديث الكثيرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – التي هي صريحة في الأمر بذكر اسم الله تعالى عند الذبح أو عند إرسال السهم أو إغراء الكلب ، كما جاء ذلك في أحاديث الشيخين من طريق عبادة بن الصامت وغيره ، ومن هذه الأحاديث: "ما أنهر الدم وقطع الجلد وذكر اسم الله عليه فكلوا ليس السن والظفر "(1) ، فالحديث صريح في اشتراط ذكر اسم الله تعالى ، والعلماء الذين
(1) رواه البخاري في كتاب الشركة باب من عدل عشراً من الغنم بجزور رقم ( 2372 ) ومسلم في كتاب الأضاحي باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم رقم ( 1968 ) .