فتاوى الأيمان والكفارات والنذور والذبائح والأطعمة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الذبائح

الجزء ٤ · صفحة ١١٤

الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم "(1) لا يُراد منه الحال، إذ لو كان المراد منه الحال للزم تقييد النهي بهذه الحالة وهي حالة مجادلة الشياطين ، ومن المعلوم أن الحرف العاطف إذا تخلل الجمل المتعاطفة يجعل حكمها كحكم الجملة الواحدة ، وقول الله تعالى : " وإنه لفسق " عطف عليه قوله : " وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم " فلو كانت الواو للحال فيه لزم أن ينسحب حكم الحال على الجمل المعطوفة على هذه الجملة ، وأيضاً فإن الخبر هاهنا في حكم الإنشاء لأنه سيق مساق التأكيد للإنشاء كما في قول الله تعالى : " ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون "(2) وإذا كان الخبر مسوقاً مساق التأكيد للإنشاء أعطي حكم الإنشاء وجاز عطفه عليه ، على أن الصحيح جواز عطف الخبر على الإنشاء مطلقاً كالعكس كما بينته في غير هذا الموضع ، والفريق الثاني من العلماء رد الخلاف إلى مسألة أصولية لها ارتباط بهذه المسألة ، ومن هؤلاء القرطبي في تفسيره ، فقد رد الخلاف إلى القاعدة المشهورة عند الأصوليين وهي أن الحكم العام هل يكون مقصوراً على سببه الخاص أو أنه لا تأثير لخصوص السبب في تخصيص عموم اللفظ ؟ والمشهور عند الأصوليين والفقهاء أنه لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ ، إذ لو كانت العبرة بخصوص السبب للزم قصر عمومات كثيرة على أسبابها الخاصة ، وبذلك يكون الحكم لا يتعدى الشخص الذي كان سبباً لوروده ، والذين قالوا بأن حكم العموم يقصر على سببه الخاص نظروا إلى أن هذه الآية الكريمة قد نزلت بسبب خاص ، فإنه ورد في جامع الترمذي وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن سبب نزول الآية الكريمة أن المشركين احتجوا على المسلمين وقالوا : أنأكل ما قتلنا ولا نأكل ما قتله الله ؟(3)

(1) الآية رقم ( 121 ) من سورة الأنعام .

(2) الآية رقم ( 4 ) من سورة النور .

(3) رواه الترمذي في كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة الأنعام رقم ( 3069 ) .

٢٥٨ / ٤٠٥