الأطعمة
الجزء ٥ · صفحة ١٢ومذهب الإمام محمد عبده أن الشكر المراد في هذه الآية الكريمة هو استخدام هذه النعم بحسب ما تقتضيه سنن الله سبحانه وتعالى والانتفاع بها طبق نواميسه عز وجل ، مع الاعتراف بنعمائه سبحانه باللسان ، واعتقاد تعظيمه بالجنان ، واستخدام الأركان فيما يرضيه تعالى من أنواع الطاعات والبر .
وأضاف إلى ذلك بعد أسطر بأن من الشكر أن ينفع الإنسان بنعمة الله سبحانه نفسه وأمته وجنسه .
التفكر في النعم مدعاة لشكرها :
قد سبق أن ذكرت بأن الشكر على نعمة الله سبحانه وتعالى من الواجبات كما تقتضيه الدلائل العقلية والشرعية ، وهناك حوافز كثيرة تحفز الإنسان إلى الشكر ، أهمها التفكر في آلاء الله عز وجل ومراحل أطوارها وحلقات أسبابها ، ليدرك عظم نعمة الله تعالى التي أسبغها عليه ، فإن النعمة التي تصل إلى العبد صفواً عفواً قد مرت بحلقات من الأسباب ، ومرت بأطوار متعددة حتى وصلت إليه ، فلقمة العيش التي يتناولها قد مرت بالكثير من الأطوار وتنقلت بين العديد من الأسباب، فالله سبحانه وتعالى أنزل الماء من السماء وجعله مخزوناً في الأرض ، ثم هيأ سبحانه وتعالى بحكمته من يغرس في هذه الأرض ، وهيأ وسائل الغرس والزرع من دواب وآلات وغيرها ، وقد مر كل ذلك بالعديد من الأسباب أيضاً ، ثم إن الله تعالى هيأ من يستصلح هذا الزرع ، ثم هيأ له من يحصده ، ثم من ينقله إلى البلد الذي فيه من كتب له أن يكون رزقه ، فقد ينقل المزروع من أقاصي الأرض في المغرب ليأكله من هو من أقاصيها في المشرق ، فكم من فواكه ومطعومات تصلنا من أستراليا وأمريكا وغيرهما في بلاد الشرق والغرب ، وقد هيأ الله سبحانه وتعالى وسائل متنوعة للنقل من تلك البلاد البعيدة القاصية حتى تصلنا هذه المأكولات هنيئة مريئة.