الأطعمة
الجزء ٥ · صفحة ١٥" إن كنتم إياه تعبدون " : اختتمت هذه الآية بقوله سبحانه وتعالى ﴿إن كنتم إياه تعبدون﴾ مع أن الشكر واجب على أي حال فلماذا اختتمت بذلك ؟ .
قال بعض العلماء : " إن " بمعنى إذ أي إذ كنتم إياه تعبدون ، واستبعد ذلك أبو حيان ، وهو بعيد ، ذلك لأن إن بالكسر لا تأتي بمعنى إذ وإنما التي تأتي بمعنى إذ أن بالفتح كما سبق ، فقوله : ﴿إن كنتم إياه تعبدون﴾ ليس المراد به إذ كنتم إياه تعبدون ، ومنهم من فسّر العبادة هنا بالمعرفة فقال إن المعنى : إن كنتم إياه تعرفون، ومنهم من فسّرها بالقصد أي إن كنتم تقصدون إفراده سبحانه وتعالى بالعبادة ، وقد وصف الألوسي كل واحد من هذين القولين بالانحطاط.
وعليه فما فائدة تعليق الأمر بشكر نعمته على كونه يعبدونه : ﴿إن كنتم إياه تعبدون﴾ مع أنه من المعلوم قطعاً أنهم مطالبون بالشكر سواء عبدوا الله أم لم يعبدوه ، وهم لأنهم مؤمنون لا ريب أنهم إياه يعبدون ، والجواب عن ذلك أن قوله سبحانه : ﴿إن كنتم إياه تعبدون﴾ سيق لأجل هز مشاعرهم وإيقاظ أحاسيسهم بأن الله سبحانه وتعالى كما أنهم يفردونه بالعبادة عليهم أن يفردوه بالشكر ، لأن الشكر من ضمن هذه العبادة ، فإن من لم يشكر الله لم يعبده .
وأما ما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (من لم يشكر الناس لم يشكر الله)(1) ، فليس المراد بذلك أن يكون شكر الناس كشكر الله ، لأن شكر الله عز وجل شكر عبادة وخضوع وانقياد وطاعة مطلقة ، أما شكر العباد فهو الاعتراف بالجميل الذي يسدونه والدعاء لهم بالخير ومكافأتهم على هذا الجميل ، وهذا الذي عناه الشاعر في قوله:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة
يدي ولساني والضمير المحجبا
(1) رواه أبو داود ، كتاب الأدب ، باب في شكر المعروف ، ( 4811 ) ، والترمذي ، كتاب البر والصلة ، باب ما جاء في الشكر ، ( 1954 ) .