الأطعمة
الجزء ٥ · صفحة ١٧وقد ذكر الإمام محمد عبده بأن هذه الآية لا يتصور معناها ومغزاها إلا من اطلع على تاريخ الملل في وقت ظهور الإسلام وقبل ظهوره ، وأحوال أصحاب هذه الملل ، فإن الناس في ذلك الوقت كانوا أصنافاً سواءً المشركون أو أهل الكتاب ، وكانوا كثيراً ما يحرّمون على أنفسهم الطيبات ، لا لاعتماد على حكم شرعي ولكن للانقياد للرؤساء والمتبوعين على طريق التقليد الأعمى ، وقد كان النصارى من بين هؤلاء ، يعتقدون أن التقرب إلى الله سبحانه وتعالى لا يكون إلا بإحياء الروح ، وأن الروح لا تحيا إلا بإهانة الجسد ، فلذلك كانوا يجتنبون كثيرا من الطيبات ، ومن اجتنابهم لهذه الطيبات أن بعضهم كان يجتنب جميع المآكل والمشارب اللذيذة لأجل إهانة الجسد ، وهذه هي درجة القديسين عندهم ، وقد يجتنب أيضا بعض هذه اللذائذ الطيبة كثير من القسيسين وغيرهم من علماء دينهم الذين لم يبلغوا إلى مرتبة القديسين ، وهناك أيضاً أعمال يقوم بها عامتهم فيها تحريم طيبات أحلت لهم تحريماً موقوتاً ، وذلك بالصيام، فقد كانوا يصومون صوم القديسين ، ويصومون أنواعاً أخرى من الصيام ، وهم في هذا الصيام كانوا تارة يحرمون على أنفسهم اللحم والسمن ويأكلون السمك ، وتارة يحرمون أيضاً بجانب ذلك السمك والبيض . وقد استوحوا ذلك من آبائهم السابقين الوثنيين الذين كانوا أيضاً يمتنعون عن كثير من الطيبات لأجل إرهاق النفس بالتكاليف ، وتقوية جانب الروح على جانب الجسد ، وقد رأوا فيما تدعو إليه ديانتهم وفيما كان عليه السيد المسيح عليه السلام وحواريوه من الزهد والعزوف عن الدنيا ما يؤيدهم على هذا المسلك .
توقي الشبهات :