الأطعمة
الجزء ٥ · صفحة ١٨والله سبحانه وتعالى - بما أنه جعل هذه الأمة أمة وسطاً - لم يجعل شأنها شأن البهائم في التهام الملذات وتناول أنواع المطعومات على اختلافها ، واتباع الشهوات بأصنافها ، ولم يجعل أيضاً شأنها شأن أولئك المحرومين من طيبات الجسد ، وإنما جعلها أمةً وسطاً تراعي مطالب الروح ومطالب الجسد ، فكلا المطلبين وُفِّي حقه في ملة الإسلام ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ﴾(1) ، والمفروض على هذه الأمة أن تتحرى الحلال الطيب في طعامها وشرابها وملبسها ، وفي كل شأن من شؤون حياتها وأن تتجنب الخبيث ، واتقاء الشبهات من أكبر الوسائل للمحافظة على المباحات واجتناب المنهيات ، ففي الحديث الذي أخرجه الشيخان عن النعمان بن بشير عن رسول صلى الله عليه وسلم قال : (الحلال بيّن والحرام بيّن ، وبينهما أمور مشتبهات لا يعرفهن كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه )(2) وقد كان السلف الصالح أحرص ما يكونون على اتقاء الشبهات ، بل كانوا يتركون أبواباً من المباحات خشية الوقوع في المحرمات ، كما روي عن عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه أنه قال : ( كنا ندع سبعين بابا من الحلال مخافة الوقوع في الحرام ) ، فأين هذا المسلك من مسلك عالم اليوم الذي ينساق وراء المحرمات على اختلاف أنواعها غير مبال بحكم الله تعالى ، فضلا عن الشبهات التي يغرق فيها إلى الأذقان .
(1) الآية رقم ( 143 ) من سورة البقرة .
(2) رواه البخاري في كتاب البيوع ، باب الحلال بيّن ، ( 1946 ) ، وسلم ، كتاب المساقاة ، باب أخذ الحلال ، ( 1599 ) .