فتاوى الأيمان والكفارات والنذور والذبائح والأطعمة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الأطعمة

الجزء ٥ · صفحة ٢٧

ومما وقع فيه الخلاف ما بين علماء الأمة جلود الميتة ؛ هل يصدق عليها حكم التحريم أو هي مباحة ؟ وهل إذا كانت مباحة تباح بدبغ أو بغير دبغ ؟ وإذا أبيحت بسبب الدباغ هل ذلك شامل لجميع أنواع الميتة أو هو محصور في بعض أنواعها؟ وقد وصل فيها الخلاف إلى سبعة أقوال ، فمن أهل العلم من حرم الانتفاع بجلود الميتة تحريماً نهائياً ، وقال : لا ينتفع بشيء منها ، لأن حكم النجاسة سار فيها ، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد ، وروي عن الإمام مالك ، وهو المعتمد عليه عند الحنابلة كما في المغني لابن قدامة ، وقد روي هذا القول عن أربعة من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وهم عمر وابنه وعائشة وعمران بن الحصين ، كما روي عن طائفة من علماء التابعين ، وقد روي عن عمر وعائشة خلافه ، وفي مقابل هذا القول المتشدد قول آخر معاكس له تماماً : وهو أن جميع الجلود لا يصدق عليها حكم التحريم ، ولا حكم النجاسة ، فهي طاهرة ، ويمكن أن يستفاد منها سواء دبغت أو لم تدبغ ، من غير استثناء لنوع من أنواع الحيوانات ، وهذا هو المروي عن الزهري ، وبين هذين القولين أقوال ، منها : التحريم مع عدم الدبغ والتحليل بشرط الدبغ ، وهؤلاء اختلفوا فيما بينهم ، فقيل : أي إيهاب دبغ فهو طاهر ولو كان إهاب خنزير أو كلب ، وهو قول داود الظاهري ، واستند في هذا إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : (أيما إهاب دبغ فقد طهر)(1) وهو حديث مروي من طريق ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عند مسلم ، وذهب أبو حنيفة إلى تحليل الانتفاع بأي إهاب كان إذا دبغ ما عدا إهاب الخنزير ، واستثنى الإمام الشافعي إهاب الكلب مع إهاب الخنزير ، ومنهم من استثنى ما لا يؤكل لحمه ، وهو القول المعتمد عليه في المذهب عندنا ، وقال به الأوزاعي وأبو ثور وإسحاق وابن المبارك ، وروي عن طائفة من علماء السلف الغابرين ، ونجد في النيل

(1) رواه مسلم ، كتاب الحيض ، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ ، رقم ( 366 ) .

٢٩٢ / ٤٠٥