الأطعمة
الجزء ٥ · صفحة ٢٩والذين قالوا بالتقييد نظروا إلى جنس الحيوان الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ، فإنه كان مباح الأكل قبل موته ، ونظروا أيضاً إلى تحريم الخنزير على الإطلاق في هذه الآية الكريمة وفي غيرها من الآيات ، والذين حرموا الانتفاع بالإهاب مطلقاً دبغ أو لم يدبغ استدلوا بحديث عبدالله عن عكيم الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود ، وقال فيه الإمام أحمد : إنه جيد الإسناد ، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى جهينة " كنت رخصت لكم في الانتفاع بجلود الميتة فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب "(1) وكان ذلك قبل موته صلى الله عليه وسلم بشهرين ، وقالوا : إن هذا الحديث ناسخ لتلك الأحاديث المبيحة ، وعضدوه بحديث آخر رواه أبو بكر الشافعي بإسناده إلى رسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا ينتفع من الميتة بشيء)(2) .
والذين عارضوا هذا الحكم قالوا : إن حديث عبد الله بن عكيم لا يخلو من اضطراب في إسناده ومتنه ، ومع هذا الاضطراب لا تترك الأحاديث الصحيحة ويعول على هذا الحديث الضعيف .
ومهما يكن فإن الحيطة للمسلم إنما هي في الخروج من عهدة الخلاف ، لذلك فإن الذي استحسنه البعد من الانتفاع بجلود الميتة ، خروجاً من عهدة الخلاف ورغبة في السلامة ، والورع هو أن يجنح العبد إلى السلامة بترك ما فيه أي شبهة من شبهات الحرام ، وهذا إنما هو في السعة وبالنسبة إلى السلوك الفردي للإنسان المسلم ، أما الفتوى فإنها تبنى على التيسير ويعول فيها على الدليل الأقوى ، ولا ريب أن قوة أدلة جواز الانتفاع بجلود الميتة بعد دباغها أقوى وهي الأصل ولا يرفع اليقين إلا يقين مثله .
حكم بعض أجزاء الميتة الأخرى :
(1) رواه أبو داود ، كتاب اللباس ، باب من روى أن لا ينتفع بإهاب الميتة ، والترمذي في كتاب اللباس ، باب ما جاء في جلود الميتة ، رقم ( 1729 ) ، وأحمد رقم ( 18807 ) .
(2) رواه البيهقي في السنن الكبرى ، رقم ( 4575 ) .